أشجار مقطوعة. - برخصة المشاع الإبداعي- ويكيبيديا

لماذا ستفشل حلول المناخ دون مساعدة علماء الاجتماع؟

منشور الخميس 31 مارس 2022

 

العلوم الاجتماعية هي كلمة السر المفقودة في المواجهة والتكيف مع تغير المناخ، الذي لا يتساوى تأثيره على الجميع، فالفقراء في كل مكان يتأثرون أكثر، والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مثل الثروة والسياسة والهوية والجنس، هي التي تحدد مدى تعرض الأفراد والجماعات لآثار تغير المناخ والمخاطر المترتبة عليه.

لكن علوم المناخ التقليدية والنمذجة المناخية لا تتضمن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولا تخبرنا شيئًا حول كيفية تأثير الثروة وعدم المساواة على تغير المناخ، ولا تفسر لنا لماذا يختلف تأثير تغير المناخ على الأفراد والجماعات، بل وحتى بين الأفراد داخل الأسرة الواحدة.

التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة، الصادر في 27 فبراير/ شباط الماضي، فيما يقرب من 3700 صفحة، يشرح بالتفصيل آثار تغير المناخ الجارية على قدم وساق. ما لا يقل عن 3.3 مليار شخص معرضون بشدة حاليًا لتأثيرات تغير المناخ مثل الحرارة الشديدة والجفاف وندرة الغذاء وزيادة معدلات المرض والوفاة، وكلما طال انتظار الحكومات والشركات، ستزداد المخاطر على البشر والطبيعة.

التقرير، وهو السادس، يتضمن المزيد من البحوث الاقتصادية والاجتماعية لتغير المناخ، وللمرة الأولى، تناقش الهيئة الحكومية الدولية، الاستعمار كسبب جذري لعدم استقرار المناخ، وعدم المساواة كسبب لزيادة مخاطر تغير المناخ.

الجغرافي الأمريكي في جامعة كلارك، إدوارد كار، يقول إن التركيز على تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية هو حصيلة سنوات من ازدهار البحوث النوعية منذ نظرت الهيئة لآخر مرة في التكيف مع المناخ عام 2014. إدوارد كار هو المؤلف الرئيسي للفصل الثامن عشر من التقرير، الذي يفحص الجوانب الاجتماعية والسياسية للاستجابة لتغير المناخ.

درس كار، وفريقه في المختبر الدولي للتنمية، من خلال المقابلات الشخصية والملاحظة المباشرة، آثار تغير المناخ في عدد من الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى، وكيف يؤثر تغير المناخ على المزارعين، وكيف يغير الجنس من مخاطر المناخ، وكيف تختلف آثار تغير المناخ بحسب النوع.

في مقابلة مع الموقع الإلكتروني الإخباري الأمريكي ڨوكس شرح كار كيف تتضافر في التقرير الجديد المعارف المحلية، وخبرات الشعوب الأصلية، مع البحوث الاجتماعية والأنثربولوجية (علم الإنسان).

قال كار إننا سنواجه مواقف معينة، لن يجدي فيها ضخ الأموال، أو توفير البنية الأساسية، وسيتعين علينا الاختيار، بين ما نريد الحفاظ عليه، وما يمكن التخلي عنه، ما الضروري بالنسبة لنا، وبما يمكن أن نضحي.

هذه خيارات اجتماعية، وخيارات سياسية. أنظمتنا السياسية، والطريقة التي نتفاعل بها مع بعضنا بعضًا، والطريقة التي نحدد بها المشكلات والحلول المناسبة، كل ذلك أصبح جوهريًا وأساسيًا في كيفية عملنا في مواجهة تغير المناخ.

لا يكفي أن نقول للناس "هذه هي التحولات التي يجب أن تحدث". يقول كار، ويضيف "علينا أن نعرف الأشخاص الذين نتحدث إليهم، أين يعيشون، كيف يعيشون، وماذا يجرى حولهم".

يركز كار في بحوثه على المستوى داخل الأسرة، ويدرك أن تغير المناخ يؤثر بشكل مختلف على الرجال والنساء في المنزل نفسه، وحتى في الجماعات الصغيرة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

ويعلل ذلك بقوله إن هذا المستوى من التفصيل ضروري وهام للغاية، لأنه يساعدنا على معرفة طبيعة هؤلاء المتأثرين بتغير المناخ، وبالتالي، أنواع الحلول اللازمة والمناسبة لمختلف الأشخاص والجماعات، ومن سيستفيد من تلك الحلول التي نضعها موضع التنفيذ.

يدعو التقرير في الفصل الثامن عشر إلى إتاحة المزيد من فرص الوصول إلى تنبؤات الطقس والمناخ للمزارعين. ويرى أن مستخدمي معلومات الطقس والمناخ ليسوا كتلة واحدة متجانسة، في الواقع يوجد مستخدمين مختلفين، ربما يكونون رجالًا أو نساء، وربما أغنياء وفقراء، وربما يكون مزيجًا من تلك الهويات المختلفة هو الأمر الأهم حقًا.

إن مجرد توفير تنبؤات موسمية بالطقس والمناخ لا يساعد الجميع، لأن التوقعات الموسمية غالبًا ما تميل إلى التركيز على محاصيل معينة، وليس كل المحاصيل، فمن الذي سيستفيد حقًا عندما تقدم له هذه التوقعات؟

في منطقة الساحل بغرب إفريقيا تتوفر توقعات موسمية للمحاصيل البعلية (التي تروى بالمطر) وهذه المحاصيل هي في الغالب من إنتاج الرجال، في حين تقوم النساء عادة بزراعة محاصيل الحدائق المروية بالطرق الأخرى، وبكلمات أخرى، فإنهن يحفرن الآبار العميقة ويروين المحاصيل يدويًا.

يمكن تحسين التوقعات الموسمية يوميًا، لكن هذا لا يساعد إنتاج النساء على الإطلاق، لكنه فقط يعزز إنتاج الرجال، وبالنظر إلى أن الرجال في الغالب يكونون مسؤولين عن الأسرة، فتوفير توقعات الطقس والمناخ الموسمية لا يساعد على تمكين النساء وتحقيق أهداف التنمية.

ترد الزراعة كثيرًا في التقرير، وظهر موضوع الزراعة الذكية مناخيًا، ويقول التقرير، إن تغير المناخ سيزيد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي لأسباب منها نقص المياه وتحمض المحيطات والتملح وزيادة الجفاف، ويتوقع أن تساهم عوامل الثروة وعدم المساواة في تفاقم هذه التحديات.

ويعطى التقرير حيزًا كبيرًا لمناقشة كيف ستتكيف الزراعة مع تغير المناخ. وكمثال على أثر الثروة وعدم المساواة في التكيف ومواجهة تغير المناخ، يشرح كار موضوع تكنولوجيا البذور فيقول "غالبًا ما يقوم الرجال والنساء أو الأعراق المختلفة أو الأشخاص المختلفون داخل المجتمع الواحد بزراعة أنواع مختلفة من المحاصيل والمنتجات، فما هي البذور التي يتم توفيرها للناس؟ وكيف تتوافق هذه البذور الجديدة مع الأنظمة الأكبر التي يعيش فيها هؤلاء؟

تحتاج البذور المعدلة وراثيًا، في كثير من الأحيان، إلى الكثير من المدخلات المختلفة، "فهل هذه المدخلات متاحة؟ من يستطيع تحمل تكاليفها"؟ يسأل كار، ويجيب "هنا غالبًا يظهر تأثير الثروة وعدم المساواة. يمكن إتاحة البذور على نطاق واسع، لكن عندما يتطلب الأمر الأسمدة والمبيدات والمكملات والمدخلات، التي لا يستطيع جميع المزارعين الوصول إليها، سيستفيد فقط مجموعة من الأثرياء، ولم تقدم شيئًا للمزارعين الفقراء والأكثر فقرًا".

يحذر التقرير من "سوء التكيف" (maladaptation)  واتباع طرق غير مناسبة للتكيف قد تؤدي إلى تفاقم المشكلات في المستقبل، ويعرض  لأحد الأمثلة الواضحة على سوء التكيف في أمريكا الشمالية، وهو بناء ما يسمى الجدران أو المصدات البحرية لحماية الشواطئ من التآكل.

يقول كار "يمكن لهذه الجدران والمصدات البحرية أن توفر الحماية لمن يعيشون خلف هذا الجدران مباشرة، لكنها لا توفر الحماية للآخرين الذين يقفون على الجانب الآخر من الشاطئ "، الجدران والمصدات البحرية لا تحل المشكلة، بل تنقلها إلى الآخرين الذين ليس لديهم جدار بحري"، الجدران والمصدات البحرية، فقط، تستبدل الضحايا.

ويشير فصل آخر في التقرير، كتبه كوامي أوسو داكو، إلى أن أنظمة الدفاع البحري التي انتهجتها غانا ومنها المصدات البحرية، نجحت فعليًا في حماية إحدى المناطق الساحلية من التآكل، لكن المشكلة هي أن المنطقة أصبحت جاذبة للمستثمرين كونها قابلة للتطوير، اشترى المستثمرون الأراضي لتطويرها وبناء مشروعات سياحية وتجارية، وفي المقابل، أدى ذلك إلى نزوح مجتمع محلي من سكان الشاطئ، بعد أن وجدوا أنفسهم دون الأرض التي كانوا يمتلكونها.


اقرأ أيضًا| غير المسبوق أصبح عاديًا: التغير المناخي يأكل على موائدنا

 

تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يقول كار إن البحوث في العلوم الاجتماعية لتغير المناخ ستذهب إلى مستويات أعمق في فهم الآثار المتباينة لتغير المناخ على الأفراد والجماعات والمجتمعات المختلفة، وبالتالي، الوصول إلى أفضل الطرق في التكيف مع تغير المناخ.

على سبيل المثال، نحن لا نعرف على وجه الدقة القيمة الجنسانية لمعلومات الطقس والمناخ في أماكن مختلفة في العالم، ناهيك عن جميع أشكال وصور التمييز الاجتماعي الأخرى التي نتعامل معها.

نحن بحاجة إلى تحسين كبير في طرق المراقبة، والتقييم، والتعرف على ما يصلح وما لا يصلح في التكيف مع تغير المناخ، ليس هناك طريقة واحدة للتكيف، والطريقة التي نتكيف بها مع تغير المناخ، لا يمكن أن تكون مناسبة للجميع، يقول التقرير.

خلاصة القول، يقول كار، لقد تأخر العمل لمواجهة تغير المناخ والتكيف معه، ولا يمكن الوصول إلى المرونة المناخية المطلوبة، بحيث يمكن تعظيم الفرص والسلامة والصحة والرفاهية لأكبر عدد ممكن من الناس، عبر  خطوات تدريجية، هذه المسارات أصبحت الآن بعيدة المنال، نحن نبحث في تغييرات تحويلية لكيفية عيشنا في العالم، وكلما طال انتظارنا، قل عدد الخيارات التي ستكون متاحة لنا، عندها سنكون مضطرين إلى انتهاج خيارات أقل جودة وأكثر تكلفة وأقل فاعلية، ما زلنا بحاجة للعمل بشكل عاجل، الخبر السار هو أن هناك الكثير من الخيارات، ولكن من الواضح تمامًا في هذه المرحلة أن التغيير التدريجي لن ينجح.