لقطة لطبق طعام منسق- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

الفوود ستايلينج: عن فتح الشهية وصورة الطعام اللامعة أكثر من اللازم

تشعر بالجوع فتدخل أقرب المطاعم إلى قلبك، أو القريب من موقعك، أو حتى ما يناسب ميزانيك التى رصدتها للطعام، ثم تجلس على الطاولة وتتفحص القائمة، فيسيل لعابك للصورة الشهية، قبل تختار وجبتك وتجلس في انتظارها، لكن وبعد أن يحضر ما طلبت تصيبك خيبة الأمل.

الطعام أمامك مختلف شكله عن ذلك الذي رأيته مصورًا منذ قليل، قطعة الدجاج تبدو أصغر وليست لامعة مشدودة الجلد كما رأيتها، أما الخضروات فهي إما ساقطة في قاع الشوربة، أو باهتة على طبق السلطة.

كم مرة واجهت هذا الموقف؟

عن نفسي ؛واجهته مئات المرات سواءً عند النظر إلى قوائم الطعام في المطاعم ومقارنتها بما قدم لي فعليا، أو في إعلانات الطعام في التليفزيون، حتى في الفارق بين الصورة على غلاف عبوة الطعام ومحتواها. في هذا المقال سأشارك معك خبراتي كمنسقة طعام محترفة.

ما نحصل عليه وما في اللوحة

حينما قررت تعلم الطهي الاحترافي، بدأت في اقتناء كتب الطبخ وتطبيق ما بها من وصفات، كانت الصور تمنح الكتاب حيوية وتفتح شهيتي على تجربة الوصفة، التي كنت أتبعّها، وأعدها كما يقول الكتاب، لكن النتيجة تختلف في كل مرة عن الصورة.

كاد أن يصيبني اليأس خاصة أن هذا ما حدث مع كل الوصفات التي جرّبتها عبر عشرات الكتب المختلفة، وفي كل مرة النتيجة واحدة، الصورة لا تتطابق مع الطبق الذي أعددته، وكان السؤال: لماذا إذن يختلف شكل الوصفة التي نعدها في المنزل عن صورتها المرفقة بالكتاب؟

بحثت كثيرًا حتى اهتديت إلى النتيجة، إن الحلقة المفقودة في المنتصف كانت تسمي تنسيق الطعام أو الـ food styling، وهو فن إعداد الطعام من أجل التصوير لأغراض جمالية أو دعائية، وهو السبب في الفارق الذي لمسته بين الصورة والوصفة المعدة في المنزل، أو بشكل عام بين صور الطعام التي نراها في قوائم الطعام والإعلانات، وبين ما نحصل عليه فعليًا.

الطعام الذي نحصل عليه بالفعل قام بإعداده طاهٍ أو شيف أو حتى ربة منزل، بينما الطعام في الصور قام بإعداده food stylist. بهرني المصطلح فرحت أبحث عن معناه والفارق الذي يحدثه.

أثناء العمل على تنسيق الطعام

في سبيل تجميل الطعام وإعداده للتصوير قد يبلغ بعض القائمين على العمل درجة الشطط، فيستخدمون موادًا صناعية بالكامل لإنتاج الصورة الأكثر إبهارًا؛ قطعًا كريستالية بدلا من الثلج، أو إلصاق حبات السمسم فوق الخبز بترتيب معين باستخدام الصمغ، وكذلك تلوين الدجاج بملمع الأحذية أو زيت السيارات بدلًا من زيت الطعام، وحشو السندويتشات بالمناديل الورقية وقطع الكرتون والأسفنج.

هذه بعض الحيل التي تعلمتها أثناء رحلتي في تعلم واحتراف فن تنسيق الطعام. أعترف أن بعضها ضروري والبعض الآخر مبالغ فيه، لكن الملاحظ أنه كلما زاد استخدام المواد الصناعية كانت الصورة أكثر جمالًا وإبهارًا، وبالتالي تفتح شهية المستهلك على شراء منتج غذائي غير حقيقي وغير واقعي وغير مطابق لمواصفات المنتج المعروض للبيع بالفعل.

صورة أم ساندوتش؟

كـ"فوود ستايليست" محترفة؛ أرى أن تنسيق الطعام ضرورة لابد منها، فالطعام بعد إعداده بشكل كامل يفقد تمامًا رونقه وجماله، حيث إن تعريضه للحرارة يفقده تماسكه وقوته ونضارته، فعند تعرض اللحم مثلا للنار فإنه يفقد حجمه وينكمش وكذلك الدجاج، كما ينسلخ اللحم عن العظام مما يفقده تماسكه، والأيس كريم يذوب بفعل حرارة الجو والحرارة المنبعثة من لمبات الإضاءة العملاقة في جلسات التصوير، كذلك قطع الثلج في المشروبات، ويبتل الخبز بفعل محتويات السندويتش من صلصات وغيره فيتفتت، خاصة أن الوقت اللازم لتصوير صورة طعام واحدة قد يستغرق ما يقرب من الساعة.

إذن بدون تنسيق الطعام لن نحصل على صورة جميلة أبدًا لطعام مشهي.

دور منسقة الطعام أو الـ food stylist يبدأ حتى قبل أن يدخل الشيف المطبخ لإعداد الوجبة المراد تصويرها، فهي تضع الخطة التي تتضمن خروج الطعام في أفضل صورة، حيث تطلب من الشيف، مثلًا، إعداد الطعام بطريقة مختلفة عن الطريقة المعتادة أو تقوم بإعداده بنفسها، بحيث يخرج الطبق النهائي في أفضل صوره.

على سبيل المثال أنا أقوم بطهي الدجاج بطريقة مختلفة ليخرج في النهاية متماسكًا مشدود الجلد، كذلك أقوم برص قطع المكرونة في الطبق واحدة واحدة وأصب الصلصات بالقطارة أو السرنجة حتى أضمن أن تكون خطًا مرسومًا بطريقة معينة، أو أقوم بتلوين قطع اللحم وقطع الخبز لأحصل على لون مثالي.

أنا أقطع منتجاتي بعناية ودقة أكبر، لا أقوم بطهي قطعة اللحم حتى لا تنكمش وأقوم بتلوينها. أنتقي قطعة خبز خالية من الخدوش مثالية الشكل، وأرص محتويات السندويتش بأدوات معينة بينما يعد الشيف السندويتش بيديه.

والنتيجة كما نرى:

صورة لسنادوتش البرجر

تخرج من تحت يدي الصورة الأكثر دقة وجمالًا للسندويتش، بينما يخرج من بين يدي الشيف السندويتش كما يقدم لنا في المطاعم، وبعد التصوير وضبط الإضاءة وتصحيح الألوان تتحول الصورة لعمل فني قائم بذاته، لكن الرأي النهائي دائما للمستهلك. ومن هنا توجهت بأسئلتي لبعض المستهلكين.

أحمد، 24 سنة، بائع في أحد محلات الملابس بوسط البلد، يقول للمنصة إنه "دايمًا بشوف صور الأكل متعلقة على المطاعم وأشوف ساندويتش الشاورما أو البرجر كبير ومليان، ولما بشتريه بيبقى حاجة تانية خالص، الكمية قليلة والعيش بايت أو مش حلو. باكل وأمري لله بس ببقى حاسس إنه اتضحك عليا".

أما ميادة، 35 سنة، وهي ربة منزل، فتقول "لما بنزل السوبر ماركت بلاقي علب السجق والمجمدات عليها صور الأكل حلوة وتفتح النفسي. بتعجبني وبشتري منها. برجع البيت أجرب المنتج بلاقيه حاجة تانية خالص غير اللي شفت صورته. وببقى حاسة إنه اتنصب عليا ومابرجعش اشتري من الشركة دي تاني أبدًا".

وتقول عائشة، 29 سنة، للمنصة، وهي موظفة بأحد البنوك "متعودة مع أصحابي أول كل شهر نروح مطعم كويس وغالي. وكل مرة بنختار حاجة جديدة من المنيو. اللي بلاحظه إن الكمية واحدة وشكل الأكل زي اللي في الصور. بس بحس إن اللي في صور المنيو مترتب أكتر أو منسق أكتر".

لا توجد قاعدة ثابتة لتجميل الطعام، لكن كلما قلت المواد الصناعية وتعاملنا مع المنتج الطبيعي كلما كانت الصورة أقرب للحقيقة حتى لو لم تكن أكثر دقة.

فقط توجد قاعدة أخلاقية واحدة للعمل، تلك القاعدة تضمن حق المنتج وحق المستهلك، ألا وهي قاعدة الكمية المستخدمة؛ فعلى سبيل المثال سندويتش أحد أشهر المحال على مستوي العالم يحتوي على عشرين جرامًا من الخس وخمسة جرامات من الصلصة وقطعة خبز بقطر عشرة سنتيمترات وقطعة برجر بالقطر نفسه تزن خمسين جرامًا وشريحة طماطم وشريحتي بصل، هذه المكونات التي يجب أن ألتزم بها أنا كمنسقة طعام لإعداد الساندويتش ويلتزم بها الشيف.

توجهت بما جمعته من أراء المستهلكين إلىبعض أصحاب المطاعم ومهندسي الجودة في بعض شركات إنتاج المواد الغذائية، حيث يرى وجدي، 45 سنة، الذي يملك مطعمًا بالتجمع الخامس، إن "المطاعم الصغيرة أو اللي مش معروفة بتجيب صور من النت وبتنزلها في المنيو بتاعها. النتيجة إنك تلاقي صورة أكل غير اللي هيتقدم للعميل. لكن المطاعم الكبيرة بتخلي الفوود ستايليست تعمل الطبق بتاعها اللي هايتصور. وبالتالي تلاقي صورة المنيو هي نفسها صورة الطبق اللي بينزل للعميل"، مضيفًا "طبعا الفوود ستايلينج مهم جدًا. الفوود ستايليست إيدها حساسة وبتعرف تظبط الكمية واللون والشكل عشان يطلع الطبق بيرفكت ويتصور".

لكن محمد عبد الله، 44 سنة، وهو مدير إنتاج في أحد مصانع منتجات اللحوم، يقول للمنصة "طبعًا شكل المنتج بيختلف عن الصورة اللي على الغلاف، بس ده مش بسبب التصنيع في الغالب. وإنما بسبب ظروف النقل والتخزين. طبعا عشان نصور بنختار المنتج على الفرازة ومافيهوش ولا غلطة. بس النقل والتخزين بيفرقوا في جودة المنتج عند وصوله للمستهلك".

الـ"فود ستايلنج" يعلمني

في الحقيقة، وعكس ما تخيلت في البداية، ليس كل ما اكتسبته من رحلتي لفهم كيف تتحول صورة الطعام الجميلة إلى أخرى أقل جمالًا بعد التنفيذ، هو الاحترافية، وإنما صارت علاقتي بتنسيق الطعام أكثر عمقًا مما طمحت في البداية، غيرت تلك الوظيفة من طباعي وأثرت في شخصيتي، فبفضلها أصبحت أهدأ، أدق، أكثر تحكمًا في قلقي وغضبي، وزادت ثقتي بنفسي وأصبحت قادرة على رؤية الجمال في أبسط التفاصيل.

صورة لمنتج بعد تنسيقه

يجمع تنسيق الطعام أو الفوود ستايلينج بين مجموعة من الفنون: الطهي بطبيعة الحال، والقدرة على خلق مشهد جميل قادر على فتح الشهية، وكذلك تنسيق الألوان والأطباق والأدوات المساعدة.

ربما مازال البعض متشككا في تأثيره، لكنه بكل تأكيد يساهم بشكل فعال في تنمية الاقتصاد القائم على تصنيع وتجارة المواد الغذائية، ويساهم كذلك في تنمية نفوسنا على مستوى الشخصية وقدرتها على إدراك الجمال حتى وإن كانت النتيجة عكس ما تظهر عليه الصورة.