صورة أرشيفية لعملية جراحية. من pxfuel - برخصة المشاع الإبداعي

من الخنزير إلى الإنسان: هل يثمر تعاون الكائنات؟

في السادسة والنصف من صباح يوم 14 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1984، كانت عائلة "بوكلير" في الولايات المتحدة تتأهب، خارج غرفة عمليات أحد مستشفيات مدينة بارستو بولاية كاليفورنيا، لسماع خبر ميلاد طفل جديد لها. وعند الساعة 6:55، جاءت إلى الدنيا بنتًا منحوها اسم "ستيفاني". لم يتوقع أحد أن تكون تلك الطفلة حديث العالم، فقد وُلدت قبل موعدها بعدة أسابيع مصابة بمتلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج "HLHS". وهي حالة مرضية يكون فيها الجانب الأيسر من القلب غير مكتمل النمو، ما يؤثر على تدفق الدم الطبيعي داخله.

عندما وُلدت ستيفاني، وعرف الأهل حالتها، كان أمامهم خياران: إما أن تُترك الطفلة لتموت في المستشفى أو تموت في البيت. وهنا ظهر دكتور ليونارد بيلي، وهو طبيب وجراح قلب مهتم بنقل الأعضاء بين الأنواع، مع عرض بنقل قلب من قرد البابون إلى الطفلة. لم يكن أمامهم خيار آخر، ووافقوا بالفعل. وذاع صيت العملية وفي الساعة 11:35 صباحًا يوم 26 أكتوبر 1984، أُجريت عملية نقل قلب البابون إلى الطفلة ستيفاني، البالغة من العمر 12 يومًا فقط، وظل العالم يتابع حالتها في ترقب. لكن ما حدث أن حالتها تدهورت بعد 14 يومًا من العملية، ونامت إلى الأبد بسلام في يوم 16 نوفمبر 1984، أي بعد العملية بنحو 21 يومًا.

الطبيب ليونارد بيلي وعالمة المناعة ساندرا كاناريلا يعتنيان بالطفلة ستيفاني

ربما لم تكن حالة ستيفاني هي الأولى، لقد أُجريت عملية زرع قلب كهذه من قبل عام 1964، حيث تم نقل قلب من قرد لإنسان، لكن المريض لم يصمد بعد العملية وتوفي خلال ساعات قليلة من الجراحة. وأُجريت العديد من عمليات الزرع بين الأنواع بعدها، حتى فتحت حالة ستيفاني الباب لعمليات نقل الأعضاء إلى الأطفال.

عادةً ما تفشل مثل هذه العمليات بسبب رفض الجسم للعضو الجديد باعتباره شيئًا غريبًا عن الجسم، فيبدأ الجهاز المناعي في محاربته، لكن في أكتوبر 2021، انتشر خبر كالنار في الهشيم بنجاح عملية نقل كلية خنزير إلى مريضة وتقبل جسمها العضو الجديد.

ما قصة نقل كلى خنزير إلى جسم بشري؟

بعد 37 سنة من عملية ستيفاني، وفي يوم السبت الموافق 25 سبتمبر/ أيلول الماضي، أُجريت عملية زرع كلية خنزير معدل وراثيًا إلى متبرعة متوفية دماغيًا، كانت تعاني من بعض المشكلات في وظائف الكلى، تمت العملية بعد موافقة الأسرة على إجراءها، ووصل جسمها في ظهر يوم الجمعة، بحيث تظل المتبرعة على أجهزة التنفس الصناعي، وأجراها فريق من الأطباء بقيادة دكتور روبرت مونتجمري، أستاذ ورئيس قسم الجراحة في كلية الطب بجامعة نيويورك. استغرقت العملية ساعتين فقط، واستمر الأطباء في مراقبة ودراسة وظائف الكلى ومدى رفض الجسم للعضو الجديد لمدة 54 ساعة (تقريبًا 3 أيام). نجحت العملية، وانتشر الخبر في الوسط العلمي ثم انتقل إلى العامة في أكتوبر الماضي.

لماذا لم يرفض الجسم الكلى الغريبة هذه المرة؟

هذه المرة استخدم الأطباء كلى خنزير مُعدل وراثيًا، من النوع GalSafe ™ وهو نوع طورته شركة ريڤيڤيكور بولاية فرجينيا، وهي نفس الشركة التي استنسخت النعجة دوللي الشهيرة عام 1996، وقد وافقت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على هذا الخنزير في ديسمبر 2020، لاستخدامه في العلاجات والإجراءات الطبية، حيث استبعدوا جين alpha-gal، وهو المسؤول عن تشفير الجليكان Glycan، وهو جزيء حيوي له دور بارز في تحفيز جهاز المناعة ضد الأجسام الغريبة.

عند وجود هذا الجزيء، يحدث رفض سريع للعضو الجديد. ومن هنا فكر الأطباء، وهي استبعاد ذلك الجين المسؤول عن تكوين الجليكان، ونقل الغدة الزعترية للخنزير مع الكلية لجسم المستقبل، لتجنب الاستجابة المناعية ضد العضو الجديد.

ورُبطت الكلى بالأوعية الدموية لجسم المستقبل في الجزء العلوي من الساق، وظلت الكلية خارج البطن، يراقبها الأطباء على مدار 54 ساعة، ويدرسون خصائصها ومدى قدرتها على إنتاج البول ومستويات الكرياتينين، لمعرفة مدى فعاليتها. من حسن الحظ، كانت مؤشرات عمل الكلى إيجابية، ولم تظهر أي علامات للرفض من جسم المستقبل، ما يعني أنّ العملية نجحت.

للوراء قليلًا.. عندما قرر البشر نقل الأعضاء بين الأنواع لأول مرة

بدأت عمليات نقل الأعضاء فعليًا بين الأنواع منذ أكثر من قرن، تحديدًا عام 1902، عندما قرر الطبيب النمساوي إيمريش أولمان إجراء عملية زرع الأعضاء بين الحيوانات، وكانت أول محاولة ناجحة تقنيًا، حيث نقل كلية كلب إلى كلب آخر. استمرت الكلية في العمل لمدة 5 أيام تقريبًا. بعدها نقل كلية من كلب إلى ماعز. وكانت محاولاته هذه ناجحة - إلى حد ما - لكنه فشل عندما حاول نقل كلية خنزير إلى امرأة حالتها متأخرة، وتعاني من مشاكل في كليتها. لم يواصل أولمان عمله في زراعة الكلى، لكنه فتح باب أمل أمام الأطباء والعلماء من بعده ليكملوا المسيرة في هذا الصدد.

وفي عام 1933، كانت أولى عمليات نقل الأعضاء من إنسان لآخر. لكن تكمن المشكلة في صعوبة توفر أعضاء بشرية باستمرار، وقد يظل المريض على قائمة الانتظار لسنوات طويلة. مثلًا، منذ بداية 2021 حتى أكتوبر من نفس العام، بلغت قائمة الانتظار في الولايات المتحدة نحو 90 ألف شخص للحصول على كلى لإنقاذ حياتهم. بالطبع يصعب توفير هذا العدد الهائل. لاحظ أننا نتحدث عن دولة واحدة، ما يعني أنّ القائمة العالمية لمرضى الكلى أكبر من ذلك بكثير. لذلك، فالحيوانات هي الحل الأمثل.

ربما هذا ما جعل طبيب الجراحة الأمريكي كيث ريمتسما، يركز على تجارب نقل الأعضاء من الحيوان للإنسان. وخلال حقبة الستينيات نقل كليتي قرد الشمبانزي إلى عدد من البشر. فشلت العملية في معظم الحالات خلال أسابيع قليلة من الإجراء. لكن عاشت سيدة واحدة لمدة 9 أشهر. نفس النتائج ظهرت عندما أُجريت محاولات لنقل أعضاء أخرى مثل القلب والرئة.

لكن لماذا الخنزير المعدل وراثيًا؟

تهتم شركة Revivicor بتربية خنازير وتعديلها وراثيًا، ومن ثَمّ اختبارها، لربما يكون لها فائدة في العلاجات الطبية مستقبلًا. في أغسطس/ آب 2015، زُرع قلب خنزير مُعدل وراثيًا داخل معدة قرد بابون على قيد الحياة. واستُخدم قرد بابون تحديدًا في هذه التجربة لأنه يتشارك مع البشر بنسبة 90% في الجينات، ما يعطي نتائج متقاربة مع المتوقعة عند نقل هذه الأعضاء للإنسان. ظل القلب داخل البابون لمدة 945 يومًا، لمراقبة الاستجابة المناعية ومستوى عمل القلب. وجربوا نقل كلى من الخنازير إلى قرد بابون أيضًا، وعملت بصورة جيدة لمدة 136 يومًا. على كل حال، لا تتشابه الخنازير مع البشر مثل قرد البابون، لكن أعضاءه مميزة ويسهل تكاثرها، ما يجعلها ملائمة، حتى إنّ صمامات الخنازير استُخدمت من قبل بفعالية في عمليات زراعة القلب.

يفتح ذلك الباب أمام فكرة نقل المريض المتوفي دماغيًا لحقل التجارب مثل هذه، لكن هناك بعض المحاذير الأخلاقية والقانونية المتعلقة بحقوق هؤلاء يجب النظر فيها جيدًا، وبالطبع تجب موافقة الأهل.

أما فكرة الخنزير المعدلة وراثيًا، فتقوم على خداع الجسم البشري..كيف ذلك؟ ببساطة، إنّ أجسامنا البشرية مهيئة لطرد الأجسام الغريبة من خلال رد الفعل المناعي، وهذا مفيد في حالة الإصابة بأمراض وأوبئة، حيث يطارد الجهاز المناعي هذه الأمراض الدقيقة من خلال صنع أجسام مضادة، تستطيع التغلب على الأمراض وطردها من الجسم أو اتخاذ ردود فعل أخرى. مثلًا، عند الإصابة بعدوى بكتيرية أو الانفلونزا، ترتفع حرارة الجسم. هذا رد فعل من الجهاز المناعي الذي يرفع حرارة الجسم، بحيث لا تستطيع الفيروسات أو البكتيريا تحمل تلك الظروف وتموت.

من ضمن استراتيجيات الجهاز المناعي أيضًا صنع أجسام مضادة تتعرف بدورها على الجسم الغريب من خلال جزء يقع على سطح المستضد (Antigen) يسمى الحاتمة (Epitope). نفس الأمر عند زراعة عضو غريب داخل الجسم، حيث يترجمه الجهاز المناعي على أنه خطر، ويجب بناء أجسام مضادة للمهاجمة، ومن هنا جاء الحل. تركز الشركة على تعديل هذه الحاتمة وراثيًا من خلال إضافة بروتين يغلف الحواتم، إنه بروتين الثرمبومودولين البشري. ما يجعل العضو الجديد يبدو بشريًا، فتقل احتمالية الرفض.

موضع الحواتم على المستضد

تعمل شركة Revivicor على استهداف الجينات التي قد تسبب رفض العضو الجديد ومن ثمّ تعديلها وراثيًا، تمامًا كما حدث في حالة خنزير GalSafe ™ المستخدم في حالة الحالة المتوفية دماغيًا. حيث تمت إزالة الجين المتسبب في الرفض تمامًا من كلية الخنزير.

البشر كحقل تجارب؟

أُجريت عملية نقل الكلى من الخنزير إلى سيدة، مجهولة الهوية، توفيت دماغيًا، ووافق أهلها على العملية، باعتبار أنّ ابنتهم أرادت التبرع بأعضاء جسمها للمرضى المحتاجين، لكن للأسف لم تكن أعضاءها في حالة جيدة وغير مناسبة للتبرع. وعندما عُرض على العائلة تلك العملية، وافقوا بلطف، فالغرض واحد وهو إنقاذ أكبر عدد من البشر.

يفتح ذلك الباب أمام فكرة نقل المريض المتوفي دماغيًا لحقل التجارب مثل هذه، لكن هناك بعض المحاذير الأخلاقية والقانونية المتعلقة بحقوق هؤلاء يجب النظر فيها جيدًا، وبالطبع تجب موافقة الأهل. قد يساعد ذلك في اختصار الوقت ومساعدة أكبر عدد من المرضى الذين يعانون من فشل كلوي أو في الأعضاء عمومًا.

محاذير وتوقعات

ربما تكون هذه التجربة بمثابة تمهيد لعمليات زراعة الأعضاء مستقبلًا، إذا نجحت بصورة قاطعة، فيمكن استخدام أعضاء الحيوانات وتطويرها بحيث تتلائم مع طبيعة الجسم البشري، وتنقذ عددًا كبيرًا من الناس، وقد يمثل هذا النهج حلًا قصير الأجل أو مؤقت، ريثما يحصل المريض على عضو بشري. وهو حل مناسب أيضًا للمرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة ويحتاجون لزراعة أعضاء في أسرع وقت ممكن.

بدأ العالم ينتبه لعمليات زراعة الأعضاء هذه باعتبارها المنقذ الوحيد للبشر الذين يعانون من فشل الأعضاء. لذلك، كان من الضروري ظهور قوانين تحكم هذه التجارب، وظهر تقرير كيندي 11 عام 1997، الذي أقر بأنّ عمليات زراعة الأعضاء تستحق البحث، لكن يفضل أن تُجرى تجارب التعديل الجيني على حيوانات مثل الخنزير، بحيث لا يحدث تغير كبير في الخنزير يجعلنا لا نستطيع تمييزه.

وأخيرًا.. ما زالت عملية زراعة الأعضاء حتى لو من جسم بشري أمرًا مثيرًا للجدل، خاصة في المجتمعات الشرقية، حيث تواجه هذه الخطوات بآراء محافظة ولكنها تمتلك تأثيرًا كبيرًا على قرار إقرارها قانونًا من عدمه، ففي ففي 1997، أجرى طبيب عملية نقل لقلب خنزير إلى مريض في الهند وقُبض عليه بتهمة القتل. إضافة إلى ذلك، قد يتأثر المريض نفسيًا عندما يفكر أنّ جسده يعمل بقلب خنزير أو قرد مثلًا، حيث يرى الإنسان نفسه سيدًا على هذه المخلوقات وأعلى قدرًا منهم منذ آلاف السنين، ماذا إذا عاش وبداخله عضو من تلك الكائنات؟ على أي حال، هناك أبعاد كثيرة يجب أخذها في الحسبان.