تصميم: المنصة

الذكرى الثالثة لتبدل الحياة: رسالة للسجان في الأعلى

تصفح ذكريات فيسبوك كان أمرًا محببًا لي، لكنه تغير للنقيض في السنوات الثلاث الأخيرة، إذ صار تكرارًا لذكريات سيئة، تدور جميعها حول زيارات السجن وتجديد الحبس، ففي هذا التاريخ قبل ثلاث سنوات، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من سكرتيرة عيادة زوجي وليد، تخبرني أنه تم اقتياده لقسم السيدة زينب، لتبدأ قصة لم تنتهِ فصولها بعد، يمكن أن تكون مادة ثرية لمسلسل تراجيدي أو فيلم عن "دراما كوين".

أول عبارة تلفظت بها حينها هي أننا بارحنا السياسة، أو بمعنىً أدقْ فعل زوجي، وأظنها هي العبارة نفسها التي تنطق بها أسر المعتقلين للوهلة الأولى. نعتقد أنها المخلِّص، ستحمينا من جدران السجن، لكنها في الحقيقة ليست طوق النجاة، بل هي دليل إدانة للعمل السياسي، الذي لا يمكن اعتباره جريمة، في حين أن حبس أشخاص لم يرتكبوا جرائم بالفعل ولفترات تتخطى الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، هو ما يخالف القانون، وكذلك التخويف والترهيب من إبداء الرأي، والدعوة إلى "المشي جنب الحيط".

كان زوجي الدكتور وليد شوقي، والعضو المؤسس السابق لحركة شباب 6 أبريل، يشتاط مني غيظًا حين أردد تلك العبارة أمامه، يصفها بأنها تخذله، ويرد عليها بـ"أنا مكنتش شغال في جمعية خيرية، أنا كنت في حركة سلمية بتعبر عن الرأي"، وبعد مرور ثلاث سنوات من الحبس، وفي الذكرى الثالثة لتبدل الحياة، أيقنت أن زوجي على حق، نعم لم يكن عضوًا في جمعية خيرية، ولم يتم القبض عليه عشوائيًا، لكنها ليست جرائم يحاسب عليها القانون.

الذكريات خلال السنوات الثلاث الماضية كثيرة ومكررة، تدور كعجلة في سيارة لا تتوقف، دائرة لا يمكننا إدراك بدايتها أو نهايتها، ما بين زيارات للسجن، وتجديدات حبس وانتظار لقرار ثم انتظار لجلسة مقبلة، وبين كل هذا أخبار بانفراجة في الملف الحقوقي، ثم خروج أفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، مع عبارة "ننتظر المزيد"، عجلة مستمرة تدور بنا، تقرر هي من أين تبدأ ولم تقرر حتى الآن أين ومتى ستقف، وتصلح أحداثها مادة خصبة لمسلسل طويل، تركي أو هندي.

تسير الحلقات مسرعة دراميًا، وتهدأ وتيرتها في حلقات عدة، منها حلقة فيروس كورونا، الذي كنت أظن أنه نهاية لهذا المسلسل الممل، وراودت مخيلتي صورة لأشخاص ينظرون لنا من أعلى، وينهون هذا المسلسل، ربما بقرارات مؤقتة كإخلاء سبيل بشروط أو ضمانات، فكان من الصعب عليَّ تخيل أن حياة الناس بلا ثمن، حتى لو كان هؤلاء الناس في نظرهم جناة حقيقيين، فحتى المتهم له حقوق وعليه واجبات عندما تتعارض مع حياته، تصبح حياته الأهم، وبالفعل أفرجت العديد من الدول عن سجناء خوفًا من التكدس بأماكن الاحتجاز، لكننا لم نكن من بين تلك الدول، وكأن هناك عداوة شخصية هي التي تتحكم في الأمور.

أتذكر جيدًا أول عبارة أرسلتها لوليد مع وقف الزيارات كانت "لو العالم انتهى اعرف إني محبتش حد غيرك"، ليرد عليها برسالة قصيرة "متخافيش زيها زي أنفلونزا الخنازير والطيور هتعدي ونرجع ونتقابل"، لم أعلم حينها إن كان يود طمأنتي أم لم يصله حجم الخوف الذي كان خلف جدران حبسه، فالمدارس والنوادي وأماكن التجمعات أغلقت، وفُرض حظر التجول، وعشنا في عزلة مخيفة، كان هو في عزلة مشابهة على الجانب الآخر في زنزانته، لا يعرف سوى الأخبار التي تصله من الصحف الرسمية صباح كل يوم، التي كانت تتحدث دومًا عن السيطرة على الوباء وقدرة مصر على احتوائه.

أصيب وليد مرتين متتاليتين بكورونا، فقد خلالهما حاستي الشم والتذوق، لم يُعزل في زنزانة بمفرده، وحصل على خافض للحرارة ومسكّن للألم من عيادة السجن، ولم تكن تلك المرحلة هي حلقات التشويق والإثارة في المسلسل، أو ما يمكن تسميتها بالذورة، فهناك حلقات أكثر بؤسًا إذا أردنا البحث عن تسمية صحيحة لها، وهي حين فقد صديقه شادي حبش، مات أمام عينه وهو عاجز عن مساعدته، ولم يملك بعدها سوى رسائل قصيرة يرسلها معي لوالدته.

ومع وفاة شادي أيضًا تخيلت أنه ربما يكون موته رسالة لنفس الأشخاص الذين يجلسون من أعلى، لغلق هذا الملف، وإنهاء ما يمكن تسميته بعصر الحبس الاحتياطي، ولكن تأتي توقعاتي دوما لتخالف الواقع الذي لم يتغير بعد وفاة شادي.


اقرأ أيضًا: شادي حبش.. ملامح بشوشة تغادر عنبر 4

شادي حبش - بورتريه ذاتي

في الذكرى الثالثة للقبض على وليد أتذكر دعوته وكلماته التي نعى بها صديقه، وأراد أن تكون فاجعة موته بداية لصفحة جديدة، وكتب حينها:

رحل شادي آخذًا معه قطعة من أرواحنا وطاقتنا وقدرتنا على المقاومة، وما يهمني وما أطرحه الآن أن يكون شادي هو النقطة التي تنتهي عندها الدائرة، على النظام أن يعلم ويعمل على أن يكون شادي هو نهاية عصر الحبس الاحتياطي كعقوبة، والإهمال الطبي في السجون، والقمع السياسي وأن يكون شادي هو آخر معتقل سياسي في مصر، وأن تكون وفاته هي بداية التغيير السياسي الذي تأخر، علينا جميعا أن ننظر للأمر من هذه الزاوية أن تكون فاجعة وفاته هي آخر أحزاننا وروحه النبيلة هي أيقونة الحرية، اتركوا الفراشات الجميلة حرة تتنفس وترفرف بأجنحتها كما تشاء، فأنتم لا تتحملون تكلفة دهسها لدبباتكم، إذا لم يتراجع هذا النظام خطوات للوراء فسوف تصنع أجنحة الفراشة أعاصير مدمرة، تطيح بالدبابات وكل الأسلحة مهما بلغت قوتها.. اعلموا أن أثر الفراشة قد لا يُرى ولكنه أثر أبدًا لا يزول.

في اعتقادي أن الملفات الأمنية لا ينبغي أن تحكمها الأهواء الشخصية بل يجب تُدار وفقًا للقانون، ولكن أين القانون مما نحن فيه، وهو ما يفسر أننا جميعًا مواطنون ولكننا في دائرة الاشتباه، من الممكن أن نتحول في لحظة واحدة لمتهمين في قضايا بتهم واحدة "نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة محظورة"، والأحراز ربما تكون بوست على فيسبوك من عام 2011، يتسبب في حبسنا سنوات لا نعرف عددها، وهو ما حدث ويحدث مع حالات عدة.

لنبدأ أولى حلقات المسلسل، يعرض المتهم على النيابة 10 مرات يجدد فيها حبسه 15 يومًا، ثم يعرض على غرفة المشورة بالمحكمة التي تنظر تجديد حبسه 45 يومًا، ولا تحال القضايا للمحاكمة، فهي مجرد ثلاجات كما يصفها المحامون، سعيد الحظ هو من يصل للحلقة الأخيرة بعد فترة قصيرة، بينما التعساء، وهم الأكثر، مستمرون أبطالًا في حلقاته.

حقق النظام استقرارًا وفقًا لتصريحات رئيس الجمهورية والوزراء والمسؤولين، وأسكت صوت المعارضة، ليس فقط لأنه ألقى بالمئات والآلاف في السجون، بل لأن المناخ العام أصبح لا يسمح بأي حراك، فمن خرج من السجن الفترة الماضية اتجه لحياته الخاصة فقط، ليس تنفيذًا لتعليمات أمليت عليه، ولكن لأنه كما يقال "كان فيه وخلص"، نفدت الطاقة والقدرة على الاستمرار في تلك الدائرة، التي أهدرت أعمار وسنوات لأشخاص في فلكها، وعليه فلن يتأثر هذا الاستقرار الذي يراه ويتحدث عنه المسؤولون بخروج سجناء الرأي وغير المتورطين في أحداث عنف، فلماذا لا يسمح "الناس اللي فوق"، بخروجهم؟

عام 2016 عرض فيلم الجمال الجانبي بطولة ويل سميث، يحكي عن أب ينكر وفاة طفلته، ويعيش حالة من الحزن التي تدفعه إلى التخلي عن كل شيء، لم يستطع الأب أن يرى شيئًا آخر غير موت ابنته التي توقفت الحياة بموتها، نسي نفسه ونسي زوجته وشركته وأصدقاءه، وفي نهاية الفيلم عرف الأب أن هناك ما يسمى بالجمال الجانبي، الحياة تستمر دون الحاجة للنسيان أو التوحد مع المشكلة.

وفي المسلسل الواقعي الذي نعيشه أدركت الجمال الجانبي في القدرة على المقاومة، اكتشفت أشياء في وليد لم تكن واضحة، وبداخلي أيضًا، تلك القدرة ربما كانت موجودة من قبل ولكنها لم تختَبر، أو ولدت مع الأزمة، القدرة التي أستمدها منه طيلة الوقت، نعم هو من يمدني بها وهو في محبسه، يطلب مني الصبر وعدم الخضوع أو الاستسلام، ويطلب مني قول الحق دائمًا، يدفعني للأمام في عملي، جعلني أقاوم الظروف والسجن بالخارج كما يقاومها هو بالداخل.


اقرأ أيضًا ما كتبه وليد شوقي للمنصة من محبسه: لماذا لا تقفون في البلكونات؟


كنت في الماضي أخشى المحيطين وأسئلتهم، وأتهرب من إجابة الرد على سؤال "جوزك فين؟"، ولكنني أصبحت أواجه الأمر ليتغير الرد لـ"جوزي محبوس في قضية سياسية"، ليليه السؤال المعتاد "ليه عمل إيه؟"، فتتبعه إجابة "كان عضو في حركة سياسية".

خرجت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لتحمل الجانب الهادئ في المسلسل، تضم في بنودها استبدال الإجراءات الإلكترونية بالحبس الاحتياطي، وتحسين أوضاع السجون، وهنا أود إرسال رسالة قصير لمن يديرون الملف من أعلى، فهناك فرصة ذهبية يمكن استغلالها، وتنفيذ تلك البنود على أرض الواقع، بدلًا من الانتظار والرهان على أن كل شيء على ما يرام، فالانفجار قد يولد في لحظة، من أسر كاملة تعاني صعوبة تدبير النفقات المادية لتجهيز الزيارات، وأطفال حُرموا من ذويهم، وسجناء في ظروف حبس قاسية، فالاستقرار السطحي من الممكن أن يضم خلفه عشرات الآلاف من المظلوميات، قنابل موقوتة تنفجر في وجهه تباعًا.

الانفراجة السياسية التي نستمع لها دومًا لن تتحقق بخروج ثلاثة أشخاص كل شهر، ولكنها ستكون بقوائم فعلية تضم مئات من المحبوسين احتياطيًا وسجناء الرأي، حينها يمكن الحديث عن انفراجة حقيقية، ولن ينتهي الحديث عنها بخروج وليد، لكنها يجب أن تضم كافة المحبوسين لأنهم فكروا عكس الاتجاه السائر، فلا يمكن أن تقام الدول بالرأي الواحد، ولا يمكن أن يكون الرد على الرأي بالحبس.

اليوم وبعد مرور ثلاث سنوات من القبض على زوجي، ما زال وليد في حبس احتياطي دون إحالة للمحاكمة. أعلم أن تلك الأزمة ستنتهي يومًا ما رغم تجديد حبسه قبل يومين لكنها ستنتهي يومًا ما، ولكن ما لا أعلمه كيف سيعود وليد بعدها، هل سيتمكن من ممارسة عمله مجددًا، أم أنه نسى طب الأسنان بعد الانقطاع عن ممارسته ثلاث سنوات، هل سيخرج محملًا بآثار التجربة ويستطيع التعافي منها سريعًا، أم سيحتاج وقتًا طويلًا، ما أعلمه فقط أن المحنة ستزول، ومع زوالها تأتي الحلقة الأخيرة وتتر النهاية للمسلسل، وربما نبدأ بعده في النقد والتحليل.