تصميم: يوسف أيمن- المنصة

زائد واحد: مثلثات الحب في الأغاني والأفلام المصرية

في حوار مع زوجتي حول مثلثات الحب في الأغاني والأفلام المصرية، قالت لي إن العلاقات في الأصل تبدأ ثنائية، ولكن قد يدخل عليها لاحقًا طرف آخر جديد يُكوّن الضلع الثالث من أضلاع المثلث، فلمعت الفكرة في عقلي مرة أخرى بعد أن أكلها الصدأ بسبب إهمالي لها لشهور.

تناولت الأغاني والأفلام الكثير من قصص العلاقات الثنائية، بين الحب والهجر والخصام والوئام والحزن والفرح، بين ألم النهايات المُزلزِل من ناحية، والاكتراث بهذا اﻷلم أو تجاهله من ناحية أخرى. لكنها أيضًا لم تتجاهل فكرة "مثلث الحب"، الذي يزيد من دراما الموقف، لتصبح العلاقة أكثر تعقيدًا من ذلك الموجود بالفعل في العلاقات الثنائية.

لكن معالجة الأغاني لمثلثات الحب كانت مختلفة عن الأفلام، فالدراما في الأفلام قائمة على فكرة الصراع، أما في الأغاني فتتنوع التيمات بين اقتسام الحزن، أو محاولة الخروج بأقل خسائر، أو العتاب، أو محاولة خروج أحد الأضلاع من المثلث، أو تقبّل وجود هذا النوع من العلاقات ومحاولة التفاعل معه بلا صراع أو دراما.

مثلثات الميلودراما الغنائية

يمكننا تقسيم التناول الميلودرامي لمثلثات الحب في الأغاني إلى ثلاثة أقسام: الصراع الداخلي، والصراع الخارجي-الداخلي، واللاصراع أو الهزيمة. وفيما يلي سنستعرض الأقسام الثلاثة بثلاثة أغانٍ مختلفة.

في الصراع الداخلي يُطل علينا هشام عباس بصحبة الشاعر بهاء الدين محمد وألحان حسن أبو السعود بأغنية عمال يحكيلي عنها، الصادرة عام 1995 ضمن ألبوم زي الأول.

تحاكي الأغنية إحدى مخاوفنا الذكورية التي خبرنا مآسيها منذ أن راهقنا البلوغ، حيث عدم التحكم في المشاعر بفعل الهرمونات والغدد الصماء، بالإضافة إلى عدم قدرتنا على تقدير المشاعر، باعتبارها أشياء تخص جنس آخر.


أغنية عمال يحكيلي عنها


الكلمات تتحدث عن رجل يحكي لصديقه عن حبيبته، مما يهز قلبه، ويبدأ في تكوين مشاعر تجاهها من خلال وصف صديقه لها، ليخلق صراعًا داخليًا سرعان ما ينتقل إلى ميلودراما خارجية بلا صراع، حيث يحاول الصديق الهرب من لقاء الحبيبة، لكنه لا يتمكن، فيضطر لمواجهة مخاوفه ومقابلتها، ليكتشف أن صديقه حكى لها عنه أيضًا، وأنها بدأت، مثله، تكوين مشاعر تجاهه.

هذا تحديدًا ما تعلمناه صغارًا من زملائنا الأكبر سنًا في المدرسة، ألا تحكي لأحد عن حبيبتك، فحبيبتك جوهرة، كما قال هشام الجخ، تستحق الحبس داخل علبة قطيفة، محبوسة بدورها داخل درج مغلق بمفتاح لا يملكه غيرك. لكن هذا الذي حكى لصديقه عن حبيبته والعكس، فإنه المانيفستو التأسيسي للأبطال المهزومين في الحب، أصحاب التجارب الأولى التي يأخذ عنها الناس أمثالهم وعبرتهم، والتي تنتهي عادةً بخسارتهم، أو كما يقول فؤاد حداد "وعلشان نقول أمثال ونضربها، لا بد من مقتول يجربها".

لكن رغم ذلك، يقرر الشاعر بهاء الدين محمد إنهاء الأغنية بنهاية سعيدة، ربما بسبب الخوف من رد فعل المستمعين على النهاية الواقعية بهزيمة الحبيب الساذج الفرِح بصديقه وحبيبته دون النظر إلى اضطراب مشاعرهما. تنصف النهاية ذلك الحبيب، حيث ينتصر صديقه لقيم الصداقة، ويقرر نسيان حبيبة صديقه في التو واللحظة، فصديقه أغلى من أن يخسره من أجل أنثى، أو كما يقول الفكر المراهق الأمريكي "Bros before hoes".

أما في الصراع الداخلي-الخارجي، فيحتل الشاعر والصحفي كامل الشناوي مكانة هامة في تاريخ تناول الأغاني لمثلثات الحب من هذه الزاوية، إذ له أغنيتان من أشهر أغاني العلاقات الثلاثية، الأولى هي أغنية لا تكذبي التي غنتها نجاة في فيلم الشموع السوداء الصادر عام 1962. والثانية هي حبيبها التي غناها عبد الحليم حافظ عام 1965.

الأغنية الأولى أسست لأسطورة كامل الشناوي العاشق الولهان المهزوم، ونُسج حولها الكثير من القصص، بعضهم قال إن الأغنية كُتبت في مُغنيتها نجاة الصغيرة، وإنها مأخوذة عن قصة حقيقية، كما ذكر الصحفي أيمن الحكيم في مقاله، حيث أشار لما قاله أحمد عثمان، تلميذ كامل الشناوي، الذي أكد أن القصة حقيقية وحدثت بالفعل وكان المخرج عز الدين ذو الفقار ضلعها الثالث، لكنها كان ضلعًا متوهمًا في عقل الشناوي فقط، حيث لم يكن الأمر أكثر من تدريب على مشهد رومانسي، لكنه بالنسبة إلى الشناوي لم يكن كذلك.

أما الناقد والصحفي طارق الشناوي (ابن أخي كامل الشناوي) فنفى القصة بأكملها، وقال إن صدق تعبير كامل الشناوي عن مشاعره من خلال القصيدة جعل الناس ينسجون حولها الأساطير والأحداث الخيالية، لدرجة أنه حينما استقصى عن حقيقة الأغنية، وسأل عددًا من الفنانين والكُتاب، أمثال تحية كاريوكا ومصطفى أمين، ويوسف أدريس الذي قال له إن القصيدة تحكي قصته مع نجاة كضلع ثالث في المثلث المُتخيل، وغيرهم قالوا الكثير، مما دفع طارق الشناوي إلى نفي القصة والقول بأنها مُختلقة تمامًا ولا أساس لها من الصحة. لكنها في النهاية أسست لأسطورة كامل الشناوي، كشاعر بارع في رسم مثلثات الحب الميلودرامية المعقدة.


أغنية حبيبها


الأغنية الثانية مثال أوضح على فكرة دراما مثلثات الحب من الجانب الميلودرامي الذي برع فيه الشناوي، فأغنية لا تكذبي على أهميتها تحكي قصة خيانة تبدو مثل قصص الخيانة الميلودرامية المليئة بالعتاب والهزيمة أمام سياط الحب وسطوته. أما أغنية حبيبها ففيها بعض الدراما الخاصة بعدم تقبل الطرف المهزوم لهزيمته، بل ومحاولة مقاومة الهزيمة من خلال تقديم نفسه كمنافس لا يزال داخل الصراع وليس خارجه.

تحمل أغنية حبيبها أيضًا صراعًا داخل نفس البطل المهزوم، فالطرف الذي يتصارع خارجيًا مع الذكر الآخر، يتحدث في نفس الوقت مع قلبه الأمّار بالسوء، الذي يصفه بأنه لعنة حبه ونقمة ربه، فهو لا يزال يحبها، لكنه أيضًا ضلع في مثلث، أو بمعنى أدق، ضلع في شكل هندسي عدد أضلاعه غير معروف، حيث يقول خلال الأغنية إن أحبابها كُثر، والحبيب الذي يخاطبه في الأغنية مجرد قطعة دومينو ضمن قطع أخرى مشاركة في لعبة الحب والخديعة.

بطل الأغنية يعلم أنه يتعرّض للخديعة، وربما لا تحبه، لكنه لا يزال متمسكًا بالأمل، لعل وعسى يتركها الجميع له. يخاطب الطرف الآخر، يضرب بقدمه في الأرض ويُصرّح بوجوده: لست وحدك، أنا أيضًا هنا، ولن أبرح مكاني، أنت وأنا ومن يحبونها لا نزال في الصراع، ولم يحسم شيء بعد. هذا الطرح يعاكس تمامًا طرح الشاعر منصور الشادي الذي كتب أغنية مش حبيبة حد فينا، التي غناها محمد فؤاد عام 2001 ضمن ألبوم كِبر الغرام.


أغنية مش حبيبة حد فينا


هنا أيضًا يواجه بطل الأغنية الطرف الآخر الذي يحب حبيبته، لكنهم ليسوا في صراع، بل يشتركون في حفلة للبكاء على الأطلال واللبن المسكوب وكل ما يمكنهم البكاء عليه. أخوية الحزن والهزيمة، الصراع منتهي، هي لا تحب أيًا منا، وهناك شخص آخر، لا نعرفه، تحبه هي أو تخدعه، لا يهم، الأمر الواقع أننا خُدعنا، وخرجنا من الصراع مهزومين.

الميلودراما هنا ليست عن الصراعات الداخلية والخارجية، هي دراما ما بعد الصراع، أو بمعنى أدق ما بعد الهزيمة، حبيبان أصبحا يحملان لقب "السابق" يحاولان حبس دموعهما من الإنجراف وإعلان العجز وكسرة القلب، حيث يخبر أحدهم الآخر ألا يبكي عليها، مما ذكرني بمشهد بكاء محمد هنيدي مع حسام داغر في فيلم "أمير البحار"، لكن من دون الكوميديا.

لم تعبّر الأغاني عن مثلثات الحب بصورة ميلودرامية فحسب، بل في أحيان كثيرة ابتعدت الأغنية تمامًا عن فكرة الدراما والصراع، بل إنها ذهبت إلى آفاق أوسع فيما يخص تقبّل فكرة مثلث الحب، بل وفي بعض الأحيان الاحتفاء به.

علاقات مشتركة متشابكة

هنا، تبدو فكرة مثلثات الحب أكثر قبولًا لدى أضلاعها المشتركين، حيث يتغزل صديقان في نفس الأنثى، بل يتركها أحدهما للآخر بنفس راضية، كأنها قطعة أثاث ثمينة لكنها لن تكون أغلى من صديقه، الفكرة ذاتها التي ذكرها الشاعر بهاء الدين محمد في أغنية "عمال يحكي لي عنها" لكن دون صراعات.

يعود هشام عباس مرة أخرى لنفس التيمة في أغنية حلال عليك التي صدرت عام 1992 ضمن ألبوم حالة، وتحكي عن صديقين يحبان الفتاة ذاتها، لكن الفارق أن صديقه هذه المرة حميد الشاعري، الذي يتقبّل الوضع تمامًا، بل ويغني بصوته المميز كلمات الشاعر عادل عمر "أنا وإنت اتنين تالتنا، الحلوة اللي اختارتنا"، بضمير المتكلم وصيغة المثنى.

طوال الأغنية يتغزل الصديقان في الفتاة التي يحبونها، لكنهما مع ذلك يدركان صعوبة تقبل المجتمع لمثل هذه العلاقات الثلاثية، فيقرر كل منهما بكل ما في صداقتهما من جدعنة أن يتنازل عنها للطرف الآخر، فهما يفضلان أن تختار الفتاة أحدهما، بدلًا من أن تختار شخصًا آخر وتقول "راحت عليك" لكليهما.


أغنية حلال عليك


علاقة صداقة متفهمة لطبيعة النفس البشرية الغريبة، فلم نلجأ إلى الصراع، لأننا لسنا حيوانات ناطقة بالفعل، بل بشر حضاريين نخرّب الأرض ونبحث عن كواكب أخرى لاحتلالها بأدوات التكنولوجيا التي اخترعنا، فلماذا علينا أن نتقاتل من أجل أنثى؟ لماذا لا ترتبط بإحدانا دون أن ينقطع حبل الود الثلاثي الممدود هذا؟

وهذا ما اعتمدت عليه أيضًا يسرا الهواري في أغنيتها جيسيكا التي صدرت ضمن ألبوم نقوم ناسيين عام 2017، إذ أنها رفضت الصراع والدراما، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك، فلم تطرح حلًا يناسب ثقافة المجتمع بخصوص العلاقات، بل أحبت هي ذاتها الأنثى التي أُعجب بها حبيبها، أو هذا ما فهمته من الأغنية.

تحكي الأغنية عن فتاة ستتزوج خلال شهر واحد، ثم يظهر في حياتها وحياة خطيبها فتاة أخرى تُدعى جيسيكا، تدرك الفتاة المقبلة على الزواج أن حبيبها أُعجب بجيسيكا، فبدأ في الخروج معها وقضاء أغلب الوقت بصحبتها، يتيّم بها لكن دون أن يصرح بذلك، بل أقسم أنه لم يحبها، لكن حبيبته تفهم جيدًا أنه مُعجب بجيسيكا، وهي لا تلومه على ذلك، فهي أيضًا تحب جيسيكا.

قد تكون تلك، وحسب علمي، أول مرة في تاريخ الأغنية المصرية تتحدث فيها بطلة الأغنية عن موافقتها وتفهمها لنمط مثلث الحب والعلاقة الثلاثية، حيث إننا تعودنا على أن ذلك سينتج عنه صراعًا ضاريًا بلا شك، فالعلاقات الثنائية معقدة بما يكفي، ما بالنا بعلاقة بها ثلاثة أطراف. لكنها ضربت بكل ذلك عرض الحائط، وقررت أن تشارك حبيبها في حب جيسيكا، بلا صراع أو دراما أو عتاب ولوم.


أغنية جيسيكا


الأفلام.. لا بد من صراع

تختلف الأفلام التي تتناول فكرة مثلثات الحب عن الأغاني، إذ أن الأفلام تحتاج إلى الصراع عادةً لتُترجم به ما يحدث داخل النفس بصريًا. فالدراما هي الصراع كما قال لي الأستاذ داوود عبد السيد ذات مرة. لذلك ستجد أن الأفلام، على الأرجح، تنقل النزاع من الداخل إلى الخارج، فيتحول إلى معركة بدنية في أحد المشاهد، دلالة على الصراع الداخلي للشخصيات.

يمكننا أن نقسّم الأفلام التي تناولت مثلثات الحب إلى قسمين، الأول هو الطبقي وهي الأفلام التي تناولت الفكرة من زاوية الصراع بين الطبقات الفقيرة والغنية. والثاني هو البعث أو إعادة الإحياء، وهي الأفلام التي تناولت فكرة زواج الزوجة من شخص آخر بعد موت زوجها، وبعد فترة يعود الزوج الذي حسبوه ميتًا، ليطالب بحقه في البقاء مع زوجته، وينشأ الصراع بين الزوجين على حب الزوجة، فنعود لفكرتنا الأصلية عن صراع الذكور على الأنثى في المملكة الحيوانية.

تناولت السينما فكرة مثلثات الحب من وجهة النظر الطبقية في العديد من الأفلام، اخترت منها ثلاثة للحديث عنها. الأول هو صراع في الميناء (1956) من إخراج يوسف شاهين، والثاني تمر حنة (1957) من إخراج حسين فوزي، والثالث ليل خارجي (2018) من إخراج أحمد عبد الله السيد.

تجمع الجيرة أو الصداقة أو أماكن العمل وقرب أماكن السكن بين أضلاع مثلث الحب والصراع في الأفلام الثلاثة. تميل الشخصية الفقيرة إلى العنف عادةً، وتحركها رغبة للتدمير أو القتل أو الضرب، بلا قدرة على التحكم في الغضب. بعكس الشخصية الثرية، خاصةً في فيلمي صراع في الميناء وتمر حنة، حيث تدرك الشخصية مكانتها في الصراع، متسلحة بالوسامة والعلم والمال والكلام المعسول، أو على الأقل لا تحمل ضغينة ضد الشخصية الفقيرة، مثل شخصية ممدوح (أحمد رمزي) في "صراع في الميناء".


مشهد من فيلم تمر حنة


يطبخ فيلما صراع في الميناء وليل خارجي (الذي يحمل إيماءة إلى الفيلم الأول) الصراع بين الشخصيات على نار هادئة، ثم يحتدم وينفجر في النهاية ويصل إلى النزاع الجسدي العنيف، الذي لا يحسم الفوز لأحدهما، بل يترك القرار للأنثى كي تقرر بشكلٍ واعٍ دون النظر إلى حسابات الفوز والخسارة في الصراع البدني.

أما فيلم تمر حنة فيدخل إلى الصراع البدني بمقدمات بسيطة للغاية، ثم ترتفع حدة الصراع إلى الحرق والقتل والتخريب. يبتعد السرد عن الصراع الذكوري على الأنثى، ويتجه إلى الوعي الاشتراكي قليلًا، بِرهان أحمد مع والده على مدى قدرة تمر حنة على التحول إلى سيدة من علية القوم إذا توفرت لها الأدوات المناسبة والمال، في محاولة لإثبات أننا، فقراء وأغنياء، من أصل إنساني واحد، وأنه لا فارق بين طبقة وأخرى، وأن الفقير يمكنه أن يصبح على شاكلة الأغنياء إذا وُلد ثريًا.

تشترك الأفلام الثلاثة في مشاهد الصراع البدني بين الذكرين، والصراع الطبقي، وميل الأنثى للطرف الأكثر فقرًا، ليتفكك المثلث وتعود العلاقة ثنائية كما هو الحال مع معظم العلاقات، عدا ليل خارجي، الذي لم ينته مع عودة العلاقة الثنائية بين الأنثى وأحد الذكرين.

بين ذكرين

أما القسم الآخر، حيث البعث وإعادة الإحياء، فتركز أفلامه على أنثى جميلة يذهب زوجها في رحلة ما ولا يعود منها، تشعر الزوجة بالحزن، ثم تتخطاه بعد سنوات إلى زواجٍ آخر، ليظهر الزوج الغائب مرة أخرى في حياتها، ويطالب باستكمال زواجه، فيرفض الزوج الثاني ويبدأ الصراع من هذه النقطة.

الفكرة الأساسية في هذه الأفلام أن هذه المعضلة لا تحدث إلا عندما تكون الزوجة مركز الأحداث، إذ أنه لو كان رجلًا لما كان هناك مُعضلة ولا مشكلة، فالقانون والشرع يسمحان بتعدد الزوجات، لكنها يرفضان ويجرمان تعدد الأزواج، مما يضع هذه الأنثى تحت طائلة القانون، وهذا المؤثر الخارجي تحديدًا هو الحيلة السردية الأهم لاستكمال القصة، بعيدًا عن فكرة الصراع بين اثنين على فرصة واحدة.

في هذه المجموعة اخترت ثلاثة أفلام أيضًا، الأول أكاذيب حواء (1969) من إخراج فطين عبد الوهاب، والثاني عريس بنت الوزير (1970) من إخراج نيازي مصطفى، والثالث عروسة وجوز عرسان (1982) من إخراج يحيى العلمي.

تحكي الأفلام الثلاثة قصة المعضلة التي ذكرناها مسبقًا، لكن فكرة فيلم أكاذيب حواء كانت مبتكرة قليلًا عنهما. يحكي الفيلم قصة وفاء (سمير أحمد) زوجة يهملها زوجها الثاني كمال (أحمد مظهر) فتلجأ إلى حيلة شاهدتها في مسرحية، حيث أوهمته أن زوجها الأول عاد مرة أخرى وأنه لم يمت في حادث، لكن الأمور تتغير عندما يعود بالفعل.


اقرأ أيضًا: من الكتاب إلى الشاشة وبالعكس: رحلة اقتباس متبادلة


فكرة استخدام المسرحية بالقصة المذكورة جعل الفيلم واعيًا بذاته كفيلم كوميدي بسيط يقدم قصة ساذجة إلى حدٍ ما، وهو ما جعله الأفضل بالنسبة لي على مستوى استخدام الفكرة، لكنه لم يكن الأفضل في التنفيذ، ومع ذلك تفوق بنسبة كبيرة على فيلم عروسة وجوز عرسان، الذي كان مملًا رغم هزلية سمير غانم، ولم أصدق أن إسعاد يونس تصلح للدور الرئيسي فيتقاتل عليها الذكران، لأنها دأبت خلال سنوات عديدة على رسم صورة الفتاة غير المكترثة بما تهتم به الأخريات من زينة وملابس وإتيكيت، بل هي على النقيض من هذا كله، ثم فجأة تتحول في هذا الفيلم إلى فتاة يتقاتل عليها الذكور.

تميل أفلام قسم البعث إلى تقديم القصة في إطار من الكوميديا رغم المأساة الواقعة على الأنثى، وذلك بسبب فكرة المفارقة العبثية في عودة الزوج إلى الحياة، أما أفلام الصراع الطبقي فتأخذ شكلًا أكثر جدية، حيث تميل إلى تقديم القصة في إطار من الدراما، لما تتيحه فكرة الصراع الطبقي من مساحة واسعة لاستخدام الدراما والمشاهد المؤثرة، عدا فيلم "ليل/خارجي" الذي اختار الشكل الكوميدي، وأرى أن تأثيره عليَّ كان أكبر من الدراما.

في النهاية اتفقت جميع الأشكال الفنية المذكورة في المقال على أن علاقات الحب تشبه سروالًا بساقين، إما أن يرتدي كل محب واحدة منهما، وإما أن يسير في الحياة بساق سروال واحدة لا يشاركه فيها أحد. وهذا ما فهمه الشعراء وصنّاع تلك الأفلام، فعادت جميع العلاقات إلى أشكالها المتعارف عليه، إما ثنائية أو لا علاقة من الأساس، عدا أغنية "جيسيكا" التي تحتمل تأويلًا مختلفًا.