منزل محمد سيد- بإذن للمنصة

الطقس في بيوتنا: فرن خبيز صيفًا "ديب فريزر" شتاءً

في هذا الطقس الخريفي البديع، ثمة نسمة لطيفة دفعت محمد سيد للخروج إلى شرفة منزله، لكنه ما لبث أن عاد أدراجه إلى الداخل؛ صوت مكيف الهواء الخرب الذي يملكه الجار يعكر صفو الليل ويبدد كل فرص الاستمتاع بالنسيم والهدوء.

قبل أربع سنوات من تلك الليلة، كان سيد الذي يعمل طبيبًا صيدليًا في إدفو بمحافظة أسوان، يشبه جيرانه، ولا يطيق الجلوس بين جدران بيته دون مكيف الهواء، لكنه ومنذ عام 2017 صار لا يستخدم المروحة حتى لمواجهة قيظ أغسطس، وذلك بعد أن امتلك بيتًا صديقًا للبيئة كان حلمه منذ الطفولة.

المهندس الإنجليزي

عندما كان صبيًا، زار محمد وأبوه بيتًا يملكه مهندس إنجليزي يعمل ويعيش في أسوان، وكان مدهشًا للشاب الصغير الذي كان يتصبب عرقًا جراء قيظ الشارع، أن يجد طراوة داخل المنزل رغم عدم استخدام أصحابه أي مراوح لتلطيف الجو، وعندما سأل، في فضول، عن السر وراء ذلك، أخبره صديق أبيه أنه يملك منزلًا صديقًا للبيئة أسسه وفقًا لتصميمات المعماري المصري الأشهر حسن فتحي، بحيث لا يحتفظ بدرجة الحرارة في داخله مهمًا تغير الطقس في الخارج، ليرحل الشاب بعد تلك الزيارة برغبة أنماها عبر السنين في أن يمتلك منزلًا مشابهًا.

ربما لا نحتاج أن نلتقي أجانب أو مصريين، لنشارك محمد حلمه بالعثور على بيت لا يشبه أفران الخبيز في الصيف أو الفريزر في الشتاء، ونحتفظ في الذاكر ببناية في مدينة زرناها كان هواؤها رطبًا رغم الحر، أو منزلًا ريفيًا دافئًا في الشتاء، ولكن لماذا تبدو بيوتنا كلها تقريبا على تلك الصورة فظيعة الطقس، وماذا يعني أن يكون البيت صديقًا للبيئة، وما وصف ما نعيش في داخله من منازل؟

يرجع عدد من المعماريين أسباب احتفاظ منازلنا بالحرارة أو البرودة إلى عيوب مواد البناء وكذلك اختلاف أنظمة العمارة عما كان سائدًا من قبل، حيث ترى هبة مؤنس، مدرس العمارة البيئية في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، أن "مواد البناء هي السبب الرئيسي في إحساسنا بما يطلق عليه الانتقال الحراري أو البيئة الحرارية داخل المنازل، كما أن تصميم المنزل نفسه وتصميم الشوارع عوامل أيضًا تساهم في هذا الإحساس"، مضيفة للمنصة أن هناك علم يسمى الدراسات البيئية، لكن لا يتم الالتفات إليه قبل تصميم عقار أو منزل، وهو علم يضم تفاصيل تخص الانتقال الحراري والبيئة الحرارية المتعلقة براحة الإنسان داخل الحيز المغلق.

ويشرح المهندس ممدوح حمزة، الذي أشرف على تشييد مكتبة الإسكندرية، أن المنازل في السابق كانت تؤسس جدرانها بحيث لا يقل ارتفاع السقف عن ثلاثة أمتار ونصف، ما كان يدفع بالهواء الساخن أو بالبارد للتجمع في أعلى الغرفة، أما حاليًا وبسبب الرغبة في بناء العديد من الطوابق أصبحت الأسقف لا تصل لذلك الطول، فيصبح الهواء قريبًا في محاذاة الجالس، ويضيف للمنصة "كانت البنايات ذوات جدران سميكة لا تقل عن 60 سم وكانت أساسًا حجر فتعمل كعازل حراري، أما حاليًا الجدران بقت ضعيفة جدًا وبقت بتحبس الطقس جوه الشقة سواء برد أو حر، وفي مقاولين بقوا يستستهلوا ميعزلوش سقف الدور الأخير، وده بيكون نار في الصيف وتلج في الشتا، وده برضه بيتم بسبب إن المقاول أو صاحب العمارة بيوفر، ويبيع الشقة بأعلى سعر".

كانت العمارة القديمة تعتمد على ما يسمى بالحوائط الحاملة التي كانت تحتم على البنَّاء تشييد جدران سميكة قادرة على استحمال ما يرتفع فوقها من طوابق، ولكن بعد شيوع البناء في القرى والمدن باستخدام حديد التسليح وعمدان الخرسانة صار البناؤون يعتمدون عليها في مقابل التقليل من سمك الجدار لتتحول المنازل لـ"هيكل وفية حتة مبنية سُمك الستارة بتتسمى حيطة وبتتعمل أرفع ما يمكن 10 سم، ومفيش قانون أصلا في مصر أو أي حتة في الدنيا يقول إن سمك الحيطة يكون كده، فمع سوء التنفيذ والاقتصاد في مواد البنا الحيطة دي هتبقى ورق ومش هتقدر تتحمل أو تواجه أي ظروف بيئية أو مناخية"، بحسب مؤنس.

لكن محمد سيد الذي قرر المضي في تنفيذ حلمه في عام 2015، لم يعمد بالطبع إلى الطرق الحديثة، فما يصبو إليه كان بيتًا أسسه حسن فتحي في عام 1905 من الطين والحجر، وبواسطة كتاب حصل عليه كهدية من تلك الزيارة القديمة، يشرح فكرة المنزل ويضم رسمًا هندسيًا لطريقة بناءه، بدأ الطبيب الصيدلي في بحث مضن عن عمال لتنفيذه "للأسف لما كنت بسأل عمال أو مقاولين عن إمكانية تنفيذ ده كانوا بيضحكوا عليا، ويقولوا إن في طرق كتيرة دلوقتي حديثه ولازم أبص حواليا أشوف الدنيا عاملة إزاي"، فقرر الاستعانة بعمال من الشيوخ "من بتوع زمان، مش شباب جداد ميعرفوش حاجة عن طريقة البناء دي".

البيت ملجأ

بناء المنزل كان يحتاج لقدر كبير من المهارة في التعامل مع الطين أو ما يعرف بالطوب اللبن وطرق قطعه، وأيضًا أعمال المحارة والعزل الحراري وغيرها من طرق البناء التي كان يعتمد عليها الأجداد في السابق، فجمع الطبيب في منزله كل معرفته مما قرأ عن العزل الحراري والصوتي واستخدام طرق الإضاءة الطبيعية والتهوية أيضًا، ليشيد منزله الذي استغرق بناءه عامين من طابقين وعلى مساحة 245 متر لكل واحد منهما.

منزل محمد في مرحلة البناء- بإذن للمنصة

استخدم العمال الطين في المحارة الخارجية، وراعى التصميم تنفيذ القباب ذات الحنيات الركنية والأقواس التي تمنح إحساسًا بكبر المساحة، والإكثار من الشبابيك لتكون مصدرًا طبيعيًا للضوء والتهوية، وتكلف ذلك نحو 250 ألف جنيه، بقيمة أقل بنسبة 40% من تكلفة بناء منزل حديث كما قال محمد للمنصة.

تقول هبة مؤنس إن البيوت في الأساس كانت ملجئًا يحمي الإنسان من الظروف المناخية الخارجية، وليست الغاية من وراء استحضار محمد سيد لنموذج حسن فتحي في بناء منزله أن يحاكي الطراز المملوكي الذي فضله الأخير وجاءت تصميماته كلها تستلهم عمارته، ولكن "ممكن البيوت تتبني بطرق حديثة عادي بس يتراعى فيها أكواد البناء، تبقى جدارنها سميكة وسقفها عالي ومتقسمة صح "، حيث إن كثير من المجمعات السكنية الحديثة فاخرة التصميم الخارجي "جودة المباني فيها زيرو لأن مفيش حاجة بتجبر حد على اتباع أكواد معينة في البناء ولا متابعة للعملية نفسها".

لكن طريقة المدن الحديثة في المعيشة أرقت محمد سيد رغم ذلك، حيث واجهت فكرته معارضة كبيرة من جانب زوجته وابنته اللائي كن يفضلن منزلًا ذا تصميم عصري، بيد أن ذلك كله تغير بعد أن اكتمل البناء "لما البيت اتنفذ ودخلوه من جوه، وحسوا براحة عرفوا إن عندي حق، احنا معندناش تكييف، ومش بنشغل المروحة غير في شهر 8 بس، بقيت الوقت الجو حلو"، لكن زينب ابنته رغم ذلك تمسكت بذوقها الخاص في التصميم "بابا كمان خلاني أشترك في البيت وسابني أختار لون أوضتي واختارت تكون بينك لأني بحب اللون ده وهو وافق ومعارضش ومحستش إنه مختلف عن التصميم أو بعيد عنه".

البناء من أسفل القدم

يشبه البيت الذي شيده والد زينب البيوت الريفية القديمة، ويمنحه طرازه المعماري تميزًا وسط نظرائه من البنايات التي تحيط به في مدينة إدفو، ما يوحي بأنه مناسب أكثر لأجواء القرية، لكن محمد سيد يعترض على تلك الفرضية مؤكدًا أن المنزل صديق البيئة يناسب المدن أكثر ومن الممكن أن تكون تكلفة بناءه فيها أقل من قرى الريف، يقول للمنصة "التكلفة كانت ممكن تكون أرخص من كده، بس لأننا بنينا على تربة طفيلية ورطبة ومالحة، فعملنا عزل جيد وإحلال للتربة وده زود التكلفة، وده اللي بيأكد إن التصميمات دي ممكن تتعمل في أي مكان مش بس في القرى"، وتؤكد ذلك هبة مؤنس التي ترى أن الأساسات السليمة قادرة على استيعاب بناء أي تصميم عليها، ولكن النقطة الفاصلة تكمن في مواد البناء المستخدمة، وكيفية توظيف المساحات.

منزل محمد سيد- بإذن للمنصة

ما يفصل بين بيت عدو للبيئة يخزن الحرارة وأخر صديق لها هو مناسبة مواد بنائه للطبيعة من حوله "زمان كانوا بيستخدموا مواد بنا طبيعية وهي بتكون مسامية فأدائها الحراري بيكون أفضل على عكس المواد المصنعة زي الطوب الأسمنتي مثلا، وهي مادة صماء مش قادرة تتفاعل مع محيطها بشكل جيد، وده اللي بيأكده حسن فتحي في مدرسته، إنه دايما كان بيقول ابني من اللي تحت رجلك، شوف التربة عندك إيه وابني منها، لو أنت مثلا في مكان في حجر جيري ابني بيه، لو التربة رميلة أو طفلية أو طينية أو غيرها استخدم نفس المادة الموجودة لأنها بتكون أفضل مادة"، تقول هبة مؤنس.

في عام 1948 بدأ حسن فتحي في تشييد قرية القرنة في الأقصر بناءً على تصور فصله لاحقًا في كتابه الأشهر عمارة الفقراء، الذي يقوم بالأساس على فلسفة تُوازن بين العمارة والبيئة وتعتمد على المساحة والقباب والشبابيك الكثيرة في التهوية والإنارة، وبالرغم مما اكتسبه المشروع من شهرة كانت سببًا مباشرًا في إطلاق لقب "شيخ المعماريين" على صاحبه واجهت القرية في السنين الأخيرة تدهورًا ملفتًا ودمرت أغلب منازلها واستبدل بها السكان مبان جديدة، بحسب تقرير عن اليونسكو، وذلك لأسباب مختلفة أبرزها "سوء نوعية التربة المستخدمة في البناء والمستخرجة من نهر النيل، وضعف الحجر الجيري المستخدم في الأساسات وعدم وجود نظام للعزل المائي".

لكن مؤنس التي زارت القرية في عدة مناسبات، ترجع أسباب تدهورها ليس إلى تصميم حسن فتحي أو فلسفته، وإنما إلى عدم وجود شبكة صرف صحي، مما تسبب في ارتفاع منسوب المياه "العيب هنا مش في تصميمات حسن فتحي، العيب في اللي حصل من تدهور بعد كده لشبكات الصرف الصحي وتهالك واللي متحلش وسبب مشاكل".

في الوقت نفسه يملك حسن فتحي الذي حاز الدكتوراه الفخرية من جامعة شيكاغو عن كتابه القرنة قصة قريتين، نموذجًا معماريًا آخر ناجحًا هو قرية دار الإسلام بولاية نيوميكسيكو الأمريكية التي لم تصب مبانيها أية مشكلات حتى الآن.

البناء فعل ديمومة، ومنذ نشأة الحضارة يستهدف البناء حيازة المستقبل، لكن سيد شيد بيته بناءً على حاجته الآنية "من الأول قررت إن البيت يبقى دورين بس، كان ممكن يبقى أكتر من كده لو زودنا الحوائط الحاملة، بس قررت إني مش هبني لولادي دلوقتي وهما لما يكبروا يقرروا ولو عاوزين بيت زيه يبنوا لنفسهم، ممكن يغيروا رأيهم وقتها، أو يختاروا هما التصميمات"، بيد أن غيره ممن قد تجذبهم الفكرة ربما يملكون خيارات أخرى ويرغبون في مساحات وعدد طوابق أكثر من اثنين، وهو ما تراه هبة مؤنس ممكن جدًا "مش لازم يكون الشكل ده هو الصح واللي الناس تمشي عليه، ممكن أبني بيت مودرن جدا من بره، بس مبني صح من جوه"، تمامًا مثلما كان يمكن للبيوت المحيطة بمنزل الطبيب الصيدلي ذا القبة العالية، تلك البيوت متعددة الطوابق التي لا تتوقف التكييفات الناتئة من جوانبها كافة عن العمل ليل نهار، بينما استغنى هو عن المروحة التي كان يستعين بها في شهر أغسطس، ليصبح منزله متفردًا بتصميمه الخارجي والداخلي أيضًا.