من حفل في 2019 لفرق: أوتوستراد وأخر زفير و جدل ووسط البلد وشارموفرز وعزيز مرقة- الصورة: صفحة Middle East Underground

الموسيقى الحية: شهادة عمّا كان وما تبقى

قياسًا إلى المشهد الموسيقي المستقل المصري منذ الثمانينيات، نجحت فرق مصرية قليلة في كسر الحاجز السوقي (نسبة إلى السوق) عبورًا إلى الجماهيرية من الاستقلال، وتزامن ذلك مع طفرات اقتصادية وسياسية واجتماعية تقودها أحداث اجتماعية ضخمة، ثورة يناير مثالًا، التي قدمت المشهد المستقل إلى الشعب المصري والشعوب العربية، وأعلنت وجوده موسيقيًا لفترة سبقت الحدث في الظل، ودفعت وسائل الإعلام الجماهيرية دفعًا إلى تسليط الضوء عليه من خلال قنواتها، مساعدة على ذلك العبور اقترانًا مع رغبة المجتمع في التعرف على الجديد بحكم الحراك الذي يحيطه وعطشه إلى الجديد علي كافة الأصعدة.

في تلك الأيام ازدهرت الساحة بالحفلات، وكان من الطبيعي بالنسبة لي أن يكون الأسبوع مزدحمًا للغاية بين تسجيلات لبرامج تليفيزيونية وحفلات حية، بين الفن ميدان؛ المهرجان الذي قام على الجهود الذاتية للفنانين، وقوافل الثورة الثقافية التابعة لوزارة الثقافة، والبرامج التي يشتهر مقدميها بالشعبية الفائقة مثل محمود سعد ومنى الشاذلي، بل وأبلة فاهيتا.

الثورة وما بعدها

عقب الاستقرار النسبي لتلك الظروف وانتهاء الحدث والتغييرات الاجتماعية الضخمة، عاد المشهد الموسيقي المستقل ليتوارى إلى الظل مرة أخري ولم يستمر من الفرق/المغنين المستقلين في الاحتفاظ بشعبيتهم وجماهيريتهم سوى عددًا لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ممن استثمروا القاعدة الجماهيرية الضخمة التي بدؤوا منها بالفعل، عن طريق الحفلات الحية المنتظمة والتواجد المنتظم على المنصات الاجتماعية الالكترونية، كذلك ظلوا ضيوفًا على البرامج الإعلامية لفترة طويلة لفقر محتواها، فيما تناولتهم تلك البرامج كظواهر جديدة بغض النظر عن الجودة.

شيرين عبده من حفل زياد الرحباني في القاهرة 2018- الصورة: حساب شيرين عبده على فيسبوك

خبا نجم العديد كما خبت الساحة ذاتها وطالها القِدم، وعدنا كموسيقيين مستقلين علقوا بالوسط إلى نقطة البداية، في تلك الفترة كان عليَّ إيجاد صوتي الخاص والعمل على مشروعي الموسيقي المستقل الأول الذي انطلق لاحقًا في 2016، وفقًا لتوقيته الخاص.

كان عليّ البدء من جديد في ساحة اختلفت فيها معايير الجماهيرية وسبل الوصول وقنوات العرض عمّا بدأت فيه، ولكن هذه واجبات الفنان وعمله اللازم، مواكبة العصر والتوصل لسبل البقاء والانتشار معًا.

مع كل قرار اقتصادي جديد، يتأثر جمهور الموسيقى الحية، ومع الظروف الحياتية الصعبة في مصر، فقدت قرب نصف جمهوري الحي في الحفلات عقب تعويم الدولار مقابل الجنيه، لا يمكن إنكار أن أقل سعر للتذكرة لا يغطي مصاريف الحفلة ناهينا عن أجور الموسيقيين، كما أنه يمثل عبئًا كبيرًا وجزءًا لا يستهان به يقتطع من ميزانية الأسرة (دخل الفرد الشهري) الذي هو بالكاد يكفي للمعيشة.

الجائحة

مع الأزمة الضخمة التي خلقها فيروس كوفيد-19 في المشهد الترفيهي على المستوى العالمي ومنع التجمهر لمنع العدوى وبالتالي الحفلات الحية، اضطر ممارسو المهنة إلى محاولات تعويضية للتواجد على الشبكة أون لاين بشكل مختلف يناسب المرحلة الحالية، فتعددت مقاطع الفيديو المصنوعة بمشاركة العديد من المؤدين من بيوتهم التزامًا بالتباعد الاجتماعي والحظر، التي سرعان ما فشلت في التواجد كموجة جديدة لأن الجمهور سئم تقسيم الشاشة لعدة أفراد بشكل متكرر، وأيضًا لأنها افتقدت عنصر الأداء الحي التفاعلي، وكان أغلبها مسجلًا وربما من نفس الشقة في غرف مختلفة، فانتهى الأمر إلى أن يشعر الجمهور بالملل والخديعة، وانتهت الفكرة لأن يكررها الآلاف وفقدت كل ما يجعلها شيقة ناهينا عن بديل للتواجد الحي.

لذلك اتجهت الفرق والمغنين إلي إقامة الحفلات الحية المقتصرة على طاقم العمل، وبثها بثًا حًيا، وهنا أيضًا عنصر المشاركة والتفاعل كان مفقودًا، وتحديدًا في مصر والعالم العربي حيث الجمهور لا يستأنس العروض الرقمية، وأيضًا التداول الإلكتروني المدفوع للبضاعة الترفيهية وعلى رأسها الأغاني والموسيقى، فلم تكن تلك الحفلات والعروض بديلًا حقيقيًا ومربحًا للموسيقيين، وأدى ذلك إلى أزمة عمالية ضخمة في الساحة الموسيقية، الذين توقف العديد منهم، ولو بشكل مؤقت لكن كامل، عن الممارسة مضطرًا لا بإرادته الحرة.

لا يمكننا تجاهل أن هذه الأزمة أفسحت المجال أمام نوع موسيقي جديد ليكون هو بطل المرحلة، التريند بعون من ذات الأسباب؛ موسيقى الهيب هوب وتحديدًا الراب.

ما فعله التِراب

منذ ظهور الراب في السبعينيات من القرن الماضي لم يلق شعبية في مصر مثلما تبنتها دول أخرى وصنعت منها نسخها الخاصة بلغاتها المختلفة وتفعيلاته وصوتياتها، واستمرت المجموعات التي استهوتها تلك الأنواع في متابعتها وبدأت في تمصيرها على استحياء وممارسة المعارك أو مبارزات الراب الحية على نطاق ضيق بجمهور متعصب، يُذكرنا بجمهور موسيقى الميتال في محدوديته آنذاك ومجتمعه البديل المغلق.

تطور مشهد الراب المصري ليتفرع منه التِراب، بتعديلات بسيطة تقنية في تفاصيل إيقاعية وهارمونية، وكونه أكثر نغمية وغنائية من التفعيلات اللغوية وإن اعتمد أيضًا على أسس الراب اللفظية نفسها وقاعدته الجماهيرية من الشباب.

الراب والتراب بطبيعته لا يتطلب إنتاجًا ضخمًا أكثر من موهبة ضخمة، ستوديو منزلي بسيط، برنامج للتسجيل ومهندس صوت هو في الغالب صانع الإيقاع، إن لم يكن المغني هو صانعه، إلى جانب كتابة الكلمات بالطبع وهي مهنة المغني في هذا النوع الموسيقي ومحدد أساسي لجودته كرابر، وحيث إن الراب عملية تتطلب عددًا أقل من الأشخاص وإمكانيات منزلية، أتاح لموجة التراب الاستمرار بشكل دوري في تقديم محتوى محترف في جودته، ويمكننا القول إن عنصر المداومة هو ما صنع قاعدة جماهيرية بالإضافة إلى احتياج الجماهير للجديد وعطشها للتسلية في ذروته، خصوصًا أن جمهوره هو الشريحة الأكبر من المجتمع: المراهقين والشباب.

ويجز من إحدى حفلاته- الصورة: الصفحة الرسمية لويجز على فيسبوك

رغم تحدي وباء كورونا ولكل هذه الأسباب، نجح رابرز عدة، مثل ويجز، وأبيوسف، ومروان موسى، وأبو الأنوار في كسر الحاجز السوقي بين الموسيقى المستقلة والتجارية وصولًا إلى لافتات إعلانات الشوارع، وأصبح التراب تريند/نموذج/موضة المرحلة وأصبح نجومه هم نجومها ونجوم الحفلات الشبابية الحية الكبيرة بعد انحسار النسبي للوباء، وظهور التلقيح وفك الحظر جزئيًا. هذا الوصول سريع نسبيًا مقارنة بباقي التجارب المستقلة التي بدأت منذ التسعينيات ولم تنل العبور حتى حدث الثورة في 2011.

ما تفعله الدولة

رغم أن هذا جانب يدعو للتفاؤل نسبيًا، حيث يظهر أن الدأب والعاطفة ناحية العمل الموسيقي طريقان للوصول، لكن هناك جانب آخر مظلم للظروف الحالية، يخفيه الازدهار المؤقت الحالي للأحداث الموسيقية، فرغم استمرار المؤسسات الحكومية القليلة مثل دار الأوبرا المصرية وبعض المسارح التابعة للدولة وقصور الثقافة في دفع رواتب موظفيها من العازفين والعازفات والمغنين والمغنيات والقائمين على صناعة الحفلات في فترات الحظر الشامل لها، فإن الرواتب الحكومية المتعارف على ضعفها تدفع العديد من موظفيها، جنبًا إلى جنب مع الطموح الفني، إلى تكوين فرق مستقلة أو الالتحاق ببعضها، والعمل على أكثر من مشروع موسيقي في الوقت نفسه لضمان الحد الأدنى من الدخل الآدمي للبقاء.

هذه المؤسسات التي تقوم على صناعة المهرجانات الأكبر في مصر مثل مهرجان الصيف بمكتبة الإسكندرية، مهرجان محكى القلعة، مهرجان الطبول الدولي وغيرهم، لا تضمن لموسيقييها الاستمرار في المهنة في ظل ظروف تمنع أغلب الأنشطة الموسيقية المدفوعة خارجها، فما بالنا بالموسيقي الحر الذي لا ينتمي لأي مؤسسة توفر له أي حماية تحت أي مظلة رسمية.

منذ ظهور كورونا، توجب على الموسيقيين خلق آليات تكيف عديدة مع الوضع الجديد، ما بين الانتقال إلى مهنة التدريس عن بعد باستخدام الانترنت، والدروس الفردية لراغبيها، لمن يملك موهبة التدريس والسمعة/ الشعبية التي تساعده منهم، وبين التوجه للحصول على مهن جديدة تمامًا دون توافر مؤهل يساعد، أو مهارات غير الموسيقي بحكم امتهانه لها منذ الشباب، فاتجه البعض إلى مهن الترجمة والكتابة الحرة، فيما عمل البعض كسائقي أجرة وعمال بناء أو نظافة، أينما وجدت الفرصة في ظل تسريح العمالات وتقليصها في كل مؤسسات وأنحاء البلد.


اقرأ أيضًا: أوجه أخرى للدِس الذي لا ينتهي: صراع طبقي وأوجه متعددة للمدينة


لا يمكن إنكار دور المؤسسات التي قدمت منحًا استثنائية للفنانين والموسيقيين من أجل البقاء وعبور الأزمة مثل المورد الثقافي وصندوق آفاق ومفردات وغيرهم، لكن بحلول 2021 اختفت أغلب منح الدعم واستبدلت بمنح المشروعات رغم أن الظرف العالمي للوباء لم يتغير، وجدير بالذكر أن أغلب الإقامات الفنية والمنح المتاحة في هذه الفترة تختص في الأغلب بالفنون البصرية والأدائية غير متضمنة الموسيقى لسبب غير مفهوم، كأن ممارسيها لم يعودوا بحاجة إلى الدعم رغم أن البلاد كلها تتأرجح بين الإغلاق الكلي والجزئي.

حُكام الماضي

يدفعنا هذا دفعًا إلى التساؤل عن دور النقابة التي يصر رؤساؤها على أنها جهة التصريح بالعمل في المجال الموسيقي وتمنع، في حملات تفتيشية، من لا يمتلك كارنيهًا بالاشتراك فيها من ممارسة مهنته كموسيقي، هذه النقابة التي تتطلب اشتراكًا سنويًا برسوم مادية للمنتسب والعضو العامل، لا تقدم أي خدمات في المقابل في ظل أزمة كورونا، وقد كان من المتوقع أن يكون هناك معاش للطوارئ، خدمات طبية وتأمينية للأعضاء العاملين والمنتسبين على حد سواء، لا أن يتم مساعدة الاستغاثات الفردية في حالة أن وصلت للنقيب عبر اجتهادات فردية بدورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في مقابل الحرب التي تشنها النقابة على من لا ينتمون إليها أو يمارسون/ يخترعون نوعًا من الموسيقى الشعبية لا ينتمي إلى نطاق ذائقة حكامها القديمة، يبدو هذا الأمر خللًا في التوازن بين واجباتها وحقوقها بصفتها كيانًا دستوريًا لا مفر لممارس المهنة الموسيقية داخل مصر من الانتماء له.

الآن، حتى بعد أن كاد النشاط الموسيقي يعود إلى طبيعته، مازال خطر انقراض مهنة الموسيقي، وتحديدا الموسيقي الحر، في ظل معضلة توفير الدخل اللازم للبقاء، مازال قائما ومحدقا مع ظهور كل موجة جديدة من الفيروس وكل تعليمات حكومية جديدة بحظر التجمعات ووقف الحفلات أو الحظر الجزئي، وبالطبع مع إغلاق العديد من أماكن تقديم الموسيقى الحية أو امتناعها عن تقديم مقابل للموسيقيين لتعرضها للإفلاس بسبب الأزمة الاقتصادية المصاحبة للوباء. ويظل السؤال قائمًا: هل مهنة الموسيقي/ الموسيقية تعاني خطر الانقراض في ظل الوباء؟