في جناح الحريم، للتشكيلي الإيطالي فيليبو باراتي برخصة المشاع الإبداعي

حريم ابن منظور: المرأة في صراع مع المعاجم

أطالع خبر بلاغ مقدم ضد داعية شهير بسبب وصفه للنساء العاملات بـ"سيدات الأستروكس"، و في المساء، أتحدث مع صديقة عزيزة عن القرف المحيط بنا عامة، وبالنساء خاصة، وعن التاريخ الطويل للداعية المهووس باستعراض عضلاته في إهانة النساء، لأنها وسيلة مضمونة للانتشار الذي تحوله لوغاريتمات فيسبوك ويوتيوب إلى أرباح في حسابه البنكي.

تلفتُ صديقتي انتباهي إلى تغريدة قديمة أخرى استفزتها للداعية نفسه، يقول فيها "معلومة لغوية: كلمة الحريم لغة عربية فصحى، ومعناها عند العرب: هو الشيء الذي حرم مسه فلا يدنى منه، كما جاء في لسان العرب، ثم شاع إطلاقها على النسوة باعتبار أنهن يحرم مسهن والنظر إليهن إلا بالزواج. نكتب هذه الكلمات لأن بعض من لا علم له عندهم يحلو لهم تقبيح هذه الكلمة وكأنها سبة، فلزم التوضيح".

تتساءل صديقتي "ما هذا الغباء؟ وما هذه العنجهية في استخدام اللغة، ومالنا ولسان العرب؟ ألم تتطور اللغة منذ ذلك الحين وتتغير دلالة الكلمة؟".

تثير أسئلتها فضولي، وأبحث سريعًا على الإنترنت عن "الحريم"، فتقودني النتائج لأن ما يقوله الداعية ليس جديدًا، بل يجتر كعادته جدلًا قديمًا مضمون النتائج من "اللايك" و"الشير". هناك عدد من المواقع الإسلامية التي سبق أن ناقشت جواز استخدام كلمة "حريم" في الإشارة للنساء، فيقول موقع الإسلام سؤال وجواب، إن استخدام هذا اللفظ "أمر جائز، وذو معنى جليل، يستحسنه أصحاب النفوس الكريمة"، ويستشهد في رأيه ذلك بمعجم تهذيب اللغة، بأن الحريم هو الذي حرم مسه فلا يدنى منه.

اختلف المصدر، لكن المنطق واحد: هذه الكلمة في المعجم، ولها معنى إيجابي، إذًا فهي جائزة أو مستحبة.

أستقصي الكلمة من المصدر الذي اعتمد عليه الداعية، لا يذكر لسان العرب كلمة حريم في الإشارة للنساء، بل يورد معان أخري: "حريم الدار" مثلا هو ما دخل فيها مما يغلق عليه بابها، تمييزًا لها عن "فناء الدار"، وهو ما ينتمي للدار خارج بابها، والحريم هي الملابس التي يحرم مسها، إذ كان العرب في الجاهلية يتخلصون من ملابسهم قبل طواف الكعبة، لأنها مدنسة بالذنوب، ولا تليق بقدسية البيت الحرام. وورد في لسان العرب أيضًا لفظ آخر وهو "حُرَمُ"، فحُرَمُ الرجلِ: عياله ونساؤه وما يَحْمِي، ويقول المعجم في موضع آخر "حَرَمُ الرجل وحَريمُه: ما يقاتِلُ عنه ويَحْميه".

نساء الحريم يطعمون الحمام. الصورة: جان ليون جيروم- برخصة المشاع الإبداعي

يشرح الرحالة محمد لبيب البنتوني، تطور استخدام الكلمة في كتابه الرحلة الحجازية، الذي وثق فيه مشاهداته خلال زيارته لمكة والمدينة أواخر القرن التاسع عشر، فيقول "توسع الناس في استعمال (لفظ) الحرم فأطلقوه على البيت الذي لا يتعدى حدوده أحد بغير إذن صاحبه احتراما له.ثم أطلقوه على امرأة الرجل نفسها لحرمتها على غيره.وأخذ الأتراك لفظ حرم فأضافوا عليه كلمة لك بمعنى مكان فقالوا حرملك يعني مكان الحرم وقصروه على مكان النساء من البيت حتى لا يكون لمن يخترق دائرته أي عذر في الدخول فيها وانتهاك حرمتها".

ثم دخل لفظ الحريم harem معاجم الإنجليزية والفرنسية عبر المستشرقين في إشارة لنساء ومحظيات الحكام العثمانيين، ومعها الحرملك، وهو المكان المخصص لهن.

استخدام "الحريم" اليوم في الإشارة للنساء إذا هو تطور لدلالة الكلمة كي تشمل معانيها المختلفة: ما يحرم مسه، ما يحميه الرجل، وما يقبع وراء باب بيته، والصراع حول إن كان اللفظ لائقًا اليوم أم لا، هو في الحقيقة صراع على ما سبق كله.

هذا النوع من المعارك حول الدلالات المتغيرة للألفاظ المستخدمة للإشارة للمرأة ليس حكرا على العربية، يروي الموسيقار الأمريكي توم ليهرر نكتة تلخص جانبًا من تطور الإنجليزية في ستينات القرن الماضي "حين كنت أدرس في الجامعة، كان هناك كلمات لا يجوز لي التلفظ بها أمام أي بنت. اليوم يمكنني استخدام هذه الكلمات أمامهن دون مشكلة، لكن لا يجوز التلفظ بكلمة بنت".

كان ليهرر يقصد أن عددًا متزايدًا من النساء يرفضن التقيد بالأنماط الجندرية التقليدية التي تحتم عليهن الخجل، أو التظاهر به، حيال الألفاظ البذيئة، وصار التلفظ بما كان محظورًا أمامهن بالأمس مباحًا اليوم، في الوقت ذاته، لم يعد من المقبول لرجل أن يخاطب امرأة بـ"يا بنت" فإن كانت نساء أمس يقبلن اللفظ ويعدونه تدليلًا مستحبًا، فنساء اليوم يرونه إشارة مبطنة بأن قائلها لا يتعامل معها بندية، بل يعدها طفلة أقل نضجا منه.

الفارق بين اللغتين أن المعاجم في الإنجليزية انصاعت لحركة التاريخ، المعجم الأمريكي الأشهر ميريام ويبستر، على سبيل المثال، يشمل ضمن معانيه لكلمة بنت Girl، تحذيرًا أنها قد تكون مهينة في سياقات بعينها، خاصة إن كان القائل في موضع قوة أو سلطة، كأن يستخدمها رب العمل في إشارة لموظفته مثلًا.

لكن لسان العرب ليس ويبستر، له نسخة واحدة فقط، لا تتطور ولا تتغير كي تناسب العصر، بل يتحصن خلفها المشايخ والدعاة ويطالبون الجميع بأن يخضعوا لتعريفاته واستخداماته.

فكيف حدث ذلك؟

سلطة المعجم

العام الماضي انطلقت حملة نسوية في بريطانيا تطالب معجم أكسفورد العريق بإزالة كلمة "Bitch" من مرادفات كلمة امرأة، وهي كلمة تعني حرفيا "أنثى الكلبة"، لكنها دارجة بين الناس للإشارة إلى المرأة البذيئة، ورأت الحملة يسارية الطابع أن المعجم رجعي ومليء بالألفاظ المشينة التي تحط من شأن المرأة، وحان وقت إزالتها.

على النقيض، كان معجم ويبستر الأمريكي هدفًا لحملة شرسة من اليمين المسيحي المحافظ، بعد أن حدث تعريفه لكلمة "زواج" في طبعة 2009، لتشمل ضمن معانيها "التوحد مع شخص آخر من ذات الجنس في حالة شبيهة بالزواج التقليدي"، إذ اتهمه المحافظون بأنه يحسم الجدل السياسي المشتعل حول طبيعة الزواج ويعلن انتصار طرف على آخر.

لم يختلف رد ويبستر على نقاده المحافظين عن دفاع أكسفورد أمام النسويات "نحن نسجل اللغة ولا نخلقها. نحن مؤرخون، نلتقط ما تنطق به ألسنة الناس، وينتهي دورنا عند تدوينه، ولا نضعه في أفواههم. هناك رجال يتزوجون برجال. هذه حقيقة كانت موجودة من قبل أن تدونها المعاجم. لم يكتشف المثليون حقهم في الزواج من ويبستر أو غيره بل خاضوا حربًا طويلة لانتزاع اعتراف المجتمع والقانون، فأدرجها المعجم ضمن ألفاظه بعد أن صار مصطلح زواج المثليين، Gay Marriage، شائعًا في المحاكم ومراجع القانون وعلم الاجتماع ونقاشات الساسة والصحف.

هناك رجال يسبون النساء بكلمة Bitch، ولا يستطيع اللغويون تغيير ذلك، وإن شاء أولئك الذين يسبون النساء استخدامه فإنهم لا يبحثون في المعجم أولًا عن اللفظ المناسب بين المترادفات، العكس صحيح، هم مَن يضعون الكلمات في المعاجم بتكرارها حتى تصبح جزءًا من اللغة، سلطة المعجم لا توجد إلا في أدمغة القراء، فإن أردتم تغيير مدلول الكلام، فصراعكم مع المجتمع وليس معنا.

وفي حين ينأى كتبة ويبستر وأكسفورد من أن يدّعوا لأنفسهم سلطة، فالأمر في العربية يختلف.

يمتد معجم لسان العرب، الذي استند إليه الداعية الشهير، على أكثر من 10 مجلدات في أغلب طبعاته، ويحوي نحو 80 ألف مادة لغوية، مشروحة وموثقة بأكثر من 30 ألف بيت شعر ومئات الآيات القرآنية والأحاديث، وقبل ذلك كله مقدمة موجزة يقول فيها مؤلفه "جمعتُ هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفتخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون".

يشبه كاتب المعجم نفسه بالنبي نوح، ومعجمه بسفينة نجاة اللغة، فإن مددنا التشبيه على استقامته، فهو يرى أغلب معاصريه حمقى لا أمل في إنقاذهم من الغرق في طوفان الجهل.

والكاتب هنا هو محمد بن مكرم بن علي أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي المصري، الشهير بابن منظور، تختلف المصادر إن كان الرجل قد ولد في مصر، أم ليبيا، أم تونس، أم المغرب، لكن الأكيد أنه ولد عام 1232 (630 هجرية)، وعاش 80 عامًا تقريبًا، ألّف خلالها العديد من المختصرات والشروح لأمهات الكتب في اللغة والتاريخ، إضافة لمعجمه الذي يعد إنجازه الأكبر.

امرأة من الجبل الأسود، للرسام التشيكي ياروسلام سيرماك برخصة المشاع الإبداعي

كان ابن منظور غير راض عن المعاجم الموجودة في وقته، فيقول إن بعضها موجز يسهل البحث فيه، وبعضها مفصل مسهب يصعب تصفحه فقرر الاضطلاع بالمهمة الشاقة: كتابة معجم يجمع الحسنيين، فيكون سهل الاستخدام، شامل المعاني.

لأداء هذه المهمة، لم يتلفت ابن منظور أبدًا لمعاصريه في مصر المملوكية، وهو العصر الذي شهد تدهورًا كبيرًا في الأدب المكتوب بالعربية، إذ يصف حال اللغة في عصره قائلًا "صار النطق بالعربية من المعايب معدودًا، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية".

اختار ابن منظور خمسة معاجم رآها أفضل المتاح، ثم جمع كل ما فيها ورتبه في موسوعة ضخمة، دون زيادة.

وفي حين أن تردي اللغة في عصر ابن منظور قد يفسر النبرة الغاضبة في مقدمته، فإن نهج سابقيه لا يقل حدة عنه، مثلًا، أحد المراجع التي لجأ إليها لجمع لسان العرب يسمى معجم تهذيب اللغة لأبى منصور الأزهري، وهو المعجم نفسه الذي استند إليه موقع الإسلام سؤال وجواب، في إجابته عن "سؤال الحريم".

ورغم أن الأزهري ولد قبل ابن منظور بثلاثمائة عام، فهو أيضًا كان يتفق معه في شعوره بأن مهمته هي إنقاذ اللغة من العبث، وهو يعبر عن ذلك بألفاظ أكثر قسوة من تلميذه، فيقول "سميتُ كتابي هذا تهذيب اللغة، لأني قصدت بما جمعت فيه ما أدخل في لغات العرب من الألفاظ التي أزالتها الأغبياء عن صيغتها، وغيرها الغتم عن سننها"، فاستخدام الألفاظ في سياق جديد هو من فعل الأغبياء في نظر الأزهري، وتغيير معناها هو من أنواع "الغتم" أي الإعجام والبعد عن الفصاحة.

أسباب تعامل كتاب المعاجم إذًا مع كل دخيل وجديد بأنه تهديد يجب صده، ودنس وجب تطهير اللغة منه أعمق من أن يكون وليد فترة زمنية واحدة، بل أن أسبابه أعمق كثيرًا.

معركة الخوارج

رفْض كُتاب ويبستر وأكسفورد الخضوع لمطالبات التيارات المختلفة مفهوم، فهم لا يريدون الانخراط في معارك سياسية، وأن تخضع تعريفاتهم لتيار قد يعلو صوته اليوم، ويخفت غدًا، هم يريدون الاحتفاظ بدورهم الحيادي في إرشاد الناس إلى تاريخ لغتهم دون تدخل.

مثلًا، ظهرت كلمة Bitch في الإنجليزية الحديثة عام ألف ميلادية تقريبًا، نتيجة تطور لكلمة مشابهة صوتيًا بالإنجليزية القديمة، بعد ما يربو من أربعمائة عام، ظهرت نماذج واضحة لاستخدامها كوصف تحقيري للنساء، خاصة في سباب Son of Bitch، والذي يعني حرفيا "ابن الكلبة"، لكن المعنى المقصود هو "ابن العاهرة".

لماذا الكلبة تحديدًا؟ قد يكون لذلك صلة ببعض الأدبيات اليونانية التي شبهت مكانة المرأة في المجتمع بالكلب أي أنها صديق وفي، لكن ليس ندًا للرجل، البعض الآخر يقول إن لذلك صلة بأرتميس، ربة الصيد في الأساطير اليونانية التي كانت جريئة ومنطلقة ومتمردة يصاحبها في رحلاتها قطيع من الكلاب، استمر الوصف بمدلوله السلبي على مر القرون، وحتى يومنا هذا. ربما في المستقبل، تتغير كلمة Bitch ليصبح معناه الأكثر شيوعًا إيجابيًا، وكناية عن قوة الشخصية، كما تنادي نسويات أخريات.

هذا الجهد التأريخي بدأه "جماعة لندن للفيلولولجيا"، التي ضمت نخبة من المفكرين ومحبي اللغة الذين قرروا عام 1884 أن يوثقوا الألفاظ غير الموجودة في المعاجم الإنجليزية القديمة، ثم تطور مشروعهم لينتج عنهم معجمًا تاريخيًا ضخمًا لأصل ومراحل تطور كل ألفاظ اللغة الإنجليزية.

ظن محررو المعجم أن الانتهاء من مهمتهم سيستغرق 10 سنوات، لكن النسخة الكاملة لم تصدر سوى بعد ما يقرب من خمسين عامًا، وسمي بمعجم أكسفورد بعد أن قررت الجامعة العريقة شراء حقوق طبعه.

هذا التاريخ الأكاديمي البارد يتناقض بطبعه مع أصول كتابة المعجم العربي الذي نشأ في الأساس كسلاح لخوض المعارك والذود عن الإسلام.

يرجع المحقق المصري حسين نصار في رسالته للدكتوراه المعجم العربي: نشأته وتطوره، فكرة ومنهج وأسلوب كتابة المعاجم العربية لما يسمى "سؤالات نافع بن الأزرق"، وهو أحد زعماء الخوارج، الذي أراد إحراج عبد الله بن عباس الصحابي الشهير وابن عم النبي محمد، فواجهه في صحن الكعبة، وتحداه في تفسير القرآن الكريم.

كان نافع يسأل ابن عباس في الألفاظ الغامضة بالقرآن، فيطلب منه مثلا تفسير آية "عن اليمين وعن الشمال عزين"، أو آية "إذا أثمر وينعه"، فيخبره ابن عباس بمعنى كلمة "عزين" وكلمة "وينعه"، ثم يدلل على كلامه بأبيات شعر تثبت أن الألفاظ هذه معروفة عند العرب ومتداولة على لسانهم، هذه المحادثات صارت مرجعًا لأسلوب لتفسير القرآن وكتابة المعجم أيضًا.

الحريم، لجون فريدريك لويس برخصة المشاع الإبداعي

من هنا، الأزهري وغيره من كتاب المعاجم الأوائل، اعتمدوا حصرا على مصدرين: ما وصلهم من "عصر الاحتجاج"، أي لغة فصحاء العرب حتى القرن الثاني هجريا، وما جمعوه من البدو البعيدين عن المدنية والحضارة والتقلبات المجتمعية حتى القرن الرابع هجريًا. نتيجة لهذا المنهج، لم يكن المعجم في العربية تدوينًا للغة كما يستخدمها "العوام" و"الأعاجم" و"الأغبياء"، بل هي إنقاذ لها من بين أيديهم، وحفظ لما ينبغي عليه أن تكون، المعاجم في العربية معيارية لا وصفية، لا توثق أو تؤرخ، بل تنقح وتدقق وتحدد الاستخدامات.

لا أقصد التساهل في اتهام الأزهري وابن منظور بأنهما كانا مقلدين لا مجددين، أو أن ألوم على منهجهما أنه أضاع فرصة لا تعوض لتدوين التاريخ الثري لتطور اللغة، مقارنة بالمعاجم الإنجليزية، فالمعجم العربي كان في اعتباراتهما حائط صد ضد الخوارج، وصونًا لألفاظ النص العزيز من التحريف، وحماية لكلام الله من ادعاءات الزنادقة وتحريفات الأجانب، كانت المعاجم أسلوبًا لإثبات فصاحة القرآن ضد المشككين، وشرحًا لمعاني الكلمات كما وردت وقت نزوله حتى لا تضيع.

لكن يمكن بالطبع أن أتساءل، لماذا لم تورد نسخة عام 1998 من المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية تعريفًا جديدًا للـ"حريم"، واكتفت باختصار ما أورده ابن منظور، نقلا عن الأزهري، ألا يوجد أمل في إصدار معجم عربي مناسب لعصرنا هذا؟

ذميم بذيء فاحش مهين

لم تكن النسويات وحدهن من اعترضن على كلمات بالمعاجم الإنجليزية، فهي حافلة بالإهانات والألفاظ التحقيرية للسود واليهود والأتراك والعرب والأيرلنديين والآسيويين والسكان الأصليين لأمريكا وقصار القامة وأصحاب الإعاقات الذهنية والجسدية والمثليين والعابرين جنسيا والمتحول، إلخ.

وفي حين رفضت المعاجم على مدار العقود إزالة "البخل" من ضمن مترادفات كلمة يهودي، أو "الهمجية" من معاني كلمة تركي، أو "التشرد" من ضمن معاني العربي وغيرها، فقد تطورت واستجابت للضغوط، إما بإضافة تعريفات جديدة، كما فعل ويبستر بكلمة بنت، أو بإضافة وسوم تصنف الكلمات طبقًا لوقعها، يستخدم معجم ويبستر مثلا أربعة تصنيفات هي: ذميم، بذيء، فاحش، مهين في تعريفه للألفاظ، لتحذير القراء من أن ورودها في المعجم لا يعني أن استعمالها جائز.

هذا وحده لم يكن مرضيًا للأقليات المستاءة من تعريفات المعجم، وفي التسعينات، قادت الرابطة الوطنية لنهوض الملونين، حملة ناجحة أجبرت معجم ويبستر على تغيير شكل طباعته، كي تصبح هذه الوسوم في أول التعريف بدلًا من آخره، وبخط أكثر بروزًا ووضوحًا، ومع دخول المعاجم عصر الإنترنت، توسعت في كتابة مقالات كاملة تشرح الكلمات الخلافية والمهينة تفصيلًا.

مفاجأة المكنز الكبير

لم تعرف المعاجم العربية مثل هذه الأساليب والتصنيفات، لذلك شعرت بأني أمام مفاجأة سعيدة حين قادني البحث إلى معجم المكنز الكبير، المعجم العربي الوحيد الذي يستخدم الوسوم والتصانيف للتحذير من الكلمات المهينة، ليس المكنز معجمًا لتعريف الكلمات بالأساس، بل هو معجم مترادفات Thesaurus صدر عام 2000.

يثير المعجم الإعجاب لأسلوبه وتصنيفه ومنهجه، فهو يستقي ألفاظه من الصحف اليومية والكتب الأكاديمية المعاصرة ودواوين الشعر الحديثة بدلًا من الاكتفاء بالتنقيب في كتب التراث، وهو يعطي أمثلة لاستخدام الألفاظ مقتبسة من منشورات معاصرة.

يلجأ المعجم إلى عدة تصانيف تشير لاستخدامات الكلمة منها "من لغة المثقفين"، "لهجة محلية"، "مصطلح علمي"، إضافة لكلمات وصفها بالـ"مبتذلة" و"المحظورة"، أما كاتب المعجم فهو أستاذ اللغة العربية بكلية دار العلوم أحمد مختار عمر، الذي رحل عن عالمنا في 2003، بعد أن ترك خلفه تراثًا علميًا مذهلًا.

قبل أن يرحل، انتهى من معجم المكنز الكبير، الذي استنبط منه تلامذته معجم المكنز الحديث، ومعجم المترادفات القرآنية، انتهى أيضًا من المعجم الموسوعي الكبير، الذي تفرع منه المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم، ومعجم الصواب اللغوي: دليل المثقف العربي، ومعجم اللغة العربية المعاصرة.

سعى عمر لتكوين فريق من الباحثين، إذ شارك أكثر من 40 من طلابه في البحث والتحرير والكتابة وتوثيق المصادر، استعان بمتخصصين ومترجمين في مختلف أفرع العلوم والمجالات، واستعان بالمبرمجين وصناع قواعد البيانات لتوثيق جهود طلابه إلكترونيًا وضمان إمكانية تحديثها مستقبلًا.

أتصفح المكنز الكبير ومعجم اللغة العربية المعاصرة بانبهار من الجهد العلمي المتفرد، ألفاظ حديثة نسمعها في حياتنا اليومية، أمثلة من الحديث الدارج، وأسلوب سهل في التصفح والبحث، و يلفت نظري في المعجمين أيضًا ميول محافظة لا تخطئها عين، فعن الألفاظ "المحظورة" يقول عمر في مقدمة معجمه إنها الكلمات التي "لا يحسن استخدامها في حضور النساء أو الأطفال وقد اقتصرنا على أقل القليل منها وتجنبنا التصريح المباشر"، وفي مترادفات الزواج، يذكر زواج المتعة ويقول أنه "محرم".

أما معجم اللغة العربية المعاصرة فليس به وسوم أو تصنيفات مثل المكنز، يذكر المعجم في تعريفه للصليب بأنه جزء من "عقيدة النصارى"، ويستخدم ألفاظا مثل "الشواذ جنسيًا"، ويشير في تعريفه لكلمة "البائرة" بأنها المرأة العانس.

لكن تعريفه للحريم، لا يختلف كثيرًا عن سابقيه، فهو يكتفي بالاستخدامات القديمة، دون أن يعبأ باستخدام الكلمة للإشارة للنساء حصرًا، رغم توثيق المؤرخين لهذا الاستخدام منذ قرنين.

تعريف لا يتطور

"شرط انتقاء مداخله، كان الشيوع ونسبة تردد اللفظ في الاستخدامات المعاصرة في الجرائد والمجلات والكتب التعليمية والمقالات الصحفية"، والإجابة للدكتورة سماح رضوان، المنسق العام لفريق كتابة المعجم.

تخبرني رضوان، أنها أعدت رسالتها للماجستير حول "طرق شرح المعنى في المعاجم العربية القديمة"، وكان الدكتور عمر مشرفًا عليها عدة سنوات قبيل وفاته، قبل أن تنضم إلى الفريق المختار لمعاونته في كتابة المعجم، "كان الدكتور صارمًا حادًا، وكان التعامل معه يصيبنا نحن صغار الباحثين بشيء من الخوف"، تستطرد رضوان في حديثها "لكنه دائما يقدر المجتهد، بدأت أستشعر منه الأبوة الحانية، فكان نعم الأستاذ ونعم الأب".

عبدة في جناح الحريم، ديونيزيو برخصة المشاع الإبداعي

تشرح لي رضوان أن الكثير من الألفاظ البذيئة أو الاستخدامات السلبية لألفاظ بعينها قد لا تجد طريقها إلى المعاجم، حيث إنها تعتمد على المواد المطبوعة مثل المقالات الصحفية والدراسات الأكاديمية التي غالبا ما تتحرى الرقي والفصاحة.

تشرح رضوان المعنى المعاصر للـ "حريم"، فتقول "لأن نساء الرجل في حمايته ويقاتل عنهن فأطلق المعنى بالتخصيص على النساء، وهو شكل من أشكال التطور الدلالي للألفاظ"، مضيفة "كنا نعد كلمة حرمة في مصر من الكلمات التي تدل على تدنّي الطبقة الاجتماعية لمن يستخدمها، ولمن يتقبّلها، ولما سافرتُ إلى المملكة العربية السعودية، كانت صدمتي الأولى من سماعي لهذه الكلمة من الجميع، من المستويات الاجتماعية والعلمية كافة، فهي الكلمة الطبيعية التي يستخدمها الرجال والنساء في أي وقت للتعبير عن المرأة".

لا ترى رضوان أنه من المفترض أن نعد اللفظ سلبيًا أو إيجابيًا في المطلق، بل هو لفظ له "دلالة هامشية"، أي أنه يصبح سلبيًا في إطار وظروف محددة، مثل شيوع اللفظ على ألسنة العوام وغير المتعلمين من مستويات اجتماعية غير راقية.

وتضرب رضوان مثلا بكلمة "مَرَة"، فهي كلم فصيحة وتسهيل لكلمة "امرأة" ولا غبار عليها، ويستخدمها البعض في الدول العربية بشكل تلقائي "دون اشمئزاز الأسماع منها".

أما عن غياب الصوابية السياسية عن المعجم، وبروز شخصية كاتبه بوضوح كرجل مسلم سني، فتقول "المعجم تم الانتهاء منه عام 2003، وكان ذلك قبل شيوع الكثير من الألفاظ وتبدّل الكثير من المصطلحات...(هو) في النهاية جهد شخصي، ومن المؤكد أن الصفات الشخصية تظهر في ألفاظه المستخدمة في التعريفات".

بدا لي المشروع واعدًا، نعم، لم ينتج عن هذا الجهد الضخم معجما "تقدميًا" يراعي في ألفاظه الأقليات والنساء، ولم يلتزم في ألفاظه بالحياد الأكاديمي، وربما يحتاج لنقاش أوسع حول استخدام وسائل التواصل مثلًا مصدرًا لتوثيق ما تغفله الصحف الرصينة، لكن هناك طفرات حقيقية وملموسة في استخدام تصنيفات عن استخدام الكلمات وتصميم وتوثيق بأسلوب متطور يسمح بالاستمرار وإنتاج طبعات جديدة.

غير أن ذلك لم يحدث.

هموم معتادة

نشرت دار عالم الكتب معجم اللغة العربية المعاصرة عام 2008، ويشير محمد يوسف، صاحب الدار ومديرها، إلى أن طباعة ألفي نسخة من المعجم تكلفت وقتها ربع مليون جنيه مصري، وهو مبلغ ضخم بمعايير اليوم، وأضخم كثيرًا بمعايير ما قبل التعويم.

بيعت عشرات النسخ من المعجم، وبقيت أغلبها في مخازن الدار حتى اللحظة.

"لست نادما بالطبع.. هذا النوع من الكتب نطبعه لأنها رسالتنا الثقافية، كما أنه يعطي ثقلًا علميًا لاسم الدار، حتى لو تسبب في خسائر مادية"، يقول يوسف للمنصة، قبل أن يستدرك أن استمرار هذا الجهد وطبع نسخ جديدة ومحدثة يستحيل على دور النشر المستقلة "الأمر يحتاج تمويلًا ضخمًا ومؤسسات أكاديمية كبيرة تضمن تواصل الجهد على مدار عشرات السنين. لابد من دعم الدولة".

وتتفق معه رضوان قائلة أن الأمر يحتاج مؤسسات ضخمة، لأن العمل المعجمي مكلف جدًّا، ولا يقوى عليه أفراد، وبالتالي فإما تنهض به الدولة أو الجامعات، وهو أمر لا يزال في طور الأمنيات.

منذ ثلاثينات القرن العشرين ومعجم أكسفورد في تطور مستمر، يضيف المزيد من الألفاظ والمعاني ويرصد تطور اللغة، أجيال من المعجميين يسلمون أجيالًا بعدهم، يراقبون آلاف الصحف والدوريات العلمية والبرامج التليفزيونية وصفحات الإنترنت، يوثقون كلمة جديدة هنا، ويحدثون معنى جديدًا هناك، وينشرون ما يجدون على موقعهم الرسمي عبر الإنترنت، في حين تتوقع الجامعة أن تنتهي من النسخة الثالثة الكاملة عام 2037.

ووراء معجم ويبستر الأمريكي فريق من المعجميين بمختلف التخصصات، لغويون ومحامون وعلماء ورياضيون وغيرهم، يعملون كسيزيف في تحديث نسخ جديدة، ما أن ينتهوا من تحديث آخر كلمة في آخر حرف، حتى يحين موعد البدء في طبعة جديدة تستغرق سنينًا.

تقول رضوان أن أستاذها كان يحلم بمؤسسة مماثلة، تراقب الألفاظ المستحدثة ومدى شيوع استخدامات جديدة للألفاظ، لكنه رحل قبل تحقيق حلمه، فيما تعمل رضوان بشكل شخصي على تسجيل المداخل الجديدة التي تود أن تراها في نسخة محدثة من المعجم، بعد استئذان الورثة ودار النشر.

في عصر آخر، سيدخل في المعجم العربي مئات الألفاظ الجديدة كل عام، مثلما يحدث في الإنجليزية والفرنسية، في عصر آخر، سترتفع نسب التعليم بين متحدثي العربية ويزداد الاهتمام بضبط الألفاظ ومعانيها، ويفتح الناس بمختلف اتجاهاتهم وخلفياتهم المعاجم، ويخوضون معارك فكرية وسياسية حول تعريف هذه الكلمة أو تلك، وضرورة النقاش حول مدى صحة استخدامها، وألا تنحصر النقاشات بين جماعات صغيرة من الأكاديميين ورجال الدين، وفي عصر آخر، ستُكتب المعاجم من جديد، لتحترم النساء والأقليات وتدرس ما يجري على الألسنة بدلا من احتقاره.

حتى ذلك الحين، نظل محبوسين في "عصر الحريم"، حيث يسلط الدعاة معاجمهم على رقاب الناس فيخضعون.