رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مصنع فاكسيرا. الصورة: المتحدث باسم "الصحة"- فيسبوك

توزيع لقاحات كورونا: قطاعات منسية وشفافية غائبة

الحصول على اللقاحات جزء من الحق في الصحة الذي ضمنه الدستور المصري في المادة 18، ويعتبر التطعيم ضد كوفيد-19 أحد الأدوات الحاسمة في السيطرة على الجائحة عندما يقترن بإتاحة فرص عادلة للمواطنين للحصول عليه، في ظل معايير الإتاحة، والتوافر، وعدم التمييز السلبي أو اللامساواة.

ومع توالي وصول دفعات اللقاحات لمصر، والتوسع في إعطاء اللقاحات الخاصة بفيروس كورونا للمواطنين، يرصد هذا التقرير بعض مظاهر التخبط التنظيمي الذي يحيط بعملية توزيع اللقاحات، والعوائق التي تؤدي إلى اللامساواة في الوصول للقاحات كوفيد-19 وفق عدد من المؤشرات المهمة.

التمييز حسب الوضع الاجتماعي

يجري توزيع اللقاحات في بعض الحالات على حسب الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأفراد، دون التقيد بترتيب الأولويات الصحية، وهنا على سبيل المثال، واقعة توزيع اللقاحات على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ بعد تخييرهم بين لقاحي سينوفارم الصيني وأسترازينيكا الإنجليزي، وذلك على عكس ما تعلنه وزارة الصحة بعدم أحقية المواطن في اختيار نوع اللقاح الذي يحصل عليه وأن التلقيح يتم حسب المتوفر. ولم يتم تطعيم أعضاء مجلسي النواب والشيوخ فحسب، بل شمل أسرهم أيضًا، بالإضافة إلى ما نُشر عن توفير اللقاحات للعاملين التابعين لوزارة البترول مباشرة دون التقيد بالمنظومة العامة التي يسجل عليه بقية المواطنين.

ومن الملاحظ أن التسجيل للحصول على التطعيم يعتمد على درجة التعليم والقدرة على الوصول للإنترنت وللمعلومات وذلك لاعتماد وزارة الصحة على موقع إلكتروني للتسجيل، وهو ما يستبعد قطاعًا عريضًا من المواطنين ليس مألوفًا لديهم هذا النوع من طرق التسجيل، ما يشكل عائقًا أمام المجموعات الأضعف والأكثر هشاشة في المجتمع، ورغم إعلان وزيرة الصحة عن إمكانية التوجه لأقرب وحدة صحية للتسجيل، إلا أن المعلومة لم تنتشر على نطاق واسع، في ظل عدم قيام وزارة الصحة بدورها في الدعاية والترويج لأهمية اللقاحات.

لقطة من بوابة تسجيل المواطنين 

لمن اللقاح؟

بحسب وزارة الصحة فإن الأولوية في اللقاحات للعاملين بالقطاع الطبي والمسنين وأصحاب الأمراض المزمنة، ورغم سهولة الوصول للعاملين بالقطاع الصحي الذين يواجهون خطرًا مرتفعًا للعدوى بالفيروس ونقله، فإن الوزارة دفعتهم إلى التسجيل عبر نفس المنظومة، باستثناء العاملين في مستشفيات العزل والحميات، الذين وفرت لهم اللقاح مباشرة.

هذا المشهد يوضح هدر الوقت والموارد، التي تذهب للأصحاء من غير الفئات المعرضة للخطر، بينما لم يتم الانتهاء من تطعيم الطواقم الطبية بالكامل، وهو الأمر الذي كان يجب أن يتصدر أولوية الوزارة، لما يمثله من أهمية للحفاظ على أرواحهم باعتبارهم خط الدفاع الأول ضد الجائحة، في ظل معدلات الوفاة المرتفعة بين الأطباء.

نقابة الأطباء طالبت "الصحة" بالإسراع فى إنهاء تطعيم الأطقم الطبية، وعرضت التنسيق معها "للمساعدة في تقديم اللقاح للأطباء سواء بعمل مقار تطعيم في المقرات المختلفة أو المساعدة في تسجيل الأطباء أو ما ترونه مناسبًا"، وهو المطلب الذي لم يلق استجابة حتى الآن.

وكان أمين عام نقابة الأطباء، أسامة عبد الحي قال إن التباطؤ في تطعيم الفريق الطبي يُنذر بخطورة كبيرة خاصةً بعد زيادة معدل الوفيات من الأطباء يوميًا.

وتكشف البيانات المتاحة من نقابة الأطباء عدم تطعيم سوى 10 إلى 20% من الطواقم الطبية، حتى مايو/ أيار هذا العام، ولم تحدث استجابة بعد من ناحية الإفصاح عن عدد من تلقوا التطعيم من الفرق الطبية.

وفيما يتعلق بكبار السن، أعلنت وزارة الصحة تيسير وصول المسنين وغير القادرين على الحركة إلى مراكز اللقاح عن طريق الاتصال بالإسعاف، أو توفير خدمات تلقي لقاح فيروس كورونا بالمنازل على أن يكون ذلك عبر الخط الساخن (15335)، وذلك بعد التسجيل أولًا على الموقع الإلكتروني لتلقي اللقاح والحصول على الرسالة النصية بموعد التطعيم.

مواطنون في أحد مراكز تلقي اللقاحات. الصورة: المتحدث باسم وزارة الصحة- فيسبوك

ولكن، التجربة العملية لهذه الخدمة توضح وجود صعوبات في تنفيذها، مثل الضغط الشديد على الخط الساخن، ما يمنع المواطنين من الوصول للخدمة، بالإضافة إلى أنها مازالت لم تدخل حيز التنفيذ على نطاق واسع. لذلك، على "الصحة" تطبيق نموذج أسهل على المواطنين، وليكن في صورة حملات تشبه تلك التي تطلقها للتطعيم ضد شلل الأطفال، بحيث تجوب الفرق الطبية جميع أنحاء البلاد دون التقيد بالتسجيل مسبقًا على الموقع، تيسيرًا على كبار السن، وأن يقوم الموظفون في هذه الفرق بالقيام بكافة الخطوات اللازمة للتسجيل وإعطاء اللقاح في الوقت نفسه للمسنين في أماكن وجودهم، وأن تعمل الوزارة أيضًا على رفع كفاءة الخط الساخن.

وفي سياق حصول العاملين بالقطاعات الأساسية على اللقاح، أعلنت وزارة التربية والتعليم أنها، بالتعاون مع وزارة الصحة، ستوفر التطعيم للمعلمين والإداريين وطلاب الجامعات قبل بدء العام الدراسي الجديد، وهي خطوة في الطريق الصحيح. ولكن، يظل هناك غياب تام للاهتمام بتوفير التطعيم لباقي العاملين بالقطاعات الأساسية والحيوية للمجتمع، ولم يصدر عن وزيرة الصحة حتى الآن أي توجه لتوفير التطعيم لهم، رغم أنهم من المجموعات التي لها أولوية.

يشمل ذلك المزارعون والعاملون في قطاعات الغذاء والنقل العام والكهرباء ومحطات المياه والصرف الصحي والمخابز، ويأتي ذلك مع قيام وزارة الصحة بتوفير اللقاح للعاملين بالسياحة ما يعد خللًا في عدالة توزيع اللقاحات، فضلًا عن مخالفته للتوصيات الصحية التي تضع العاملين بالقطاعات الحيوية كأولوية للحصول على اللقاح.

فجوة جغرافية

هناك فجوة عدالة في توزيع مراكز الحصول على اللقاحات بين المحافظات، وبنظرة على الموقع الرسمي للتسجيل نجد أن القاهرة بها 50 مركز ًا، فيما تقتصر أسيوط على 15 مركزًا والأقصر 7 مراكز، ما يمثل عائقًا أمام المواطنين للحصول على اللقاح، من ناحية اضطرارهم استخدام وسائل مواصلات خاصة للوصول لمركز التطعيم، وهو ما يشكل عائقًا أمام بعض أفراد المجتمع، خاصة كبار السن لصعوبة التنقل وتكلفته.

ووفقًا لـ"خريطة طريق فريق الخبراء الاستشاري الاستراتيجي المعني بالتمنيع لتحديد أولوية استخدامات لقاحات كوفيد-19 في سياق الإمدادات المحدودة"، التي أعدتها منظمة الصحة العالمية، فإن المجموعات الاجتماعية الأكثر هشاشة في المجتمع والمعرضة لخطر مرتفع للإصابة بالعدوى ونقلها، لعدم قدرتهم على مراعاة التباعد الجسدي، يقعون ضمن المجموعات التي لها أولوية للحصول على اللقاح، ويجب على الحكومات بذل مجهودات مضاعفة للوصول إليهم، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

يندرج السجناء أيضًا ضمن هذه المجموعات، والأشخاص ذوو الإعاقة، والذين يعيشون في فقر مدقع، ومن لا مأوى لهم.

ويأتي ضمن هذه الفئة المجموعات التي ليس لديها خيار سوى العمل في ظروف صعبة، ودون تباعد جسدي أو ليس لديها القدرة المالية على الوصول إلى معدات الحماية الشخصية، الطبقات الاجتماعية التي تعيش في أحياء مكتظة بالسكان، إذ تعد محرومة مقارنة بالمجموعات الأخرى من السكان التي تعيش في ظروف اجتماعية واقتصادية أفضل، ولديها القدرة على توفير معدات الحماية الشخصية.

يندرج السجناء أيضًا ضمن هذه المجموعات، والأشخاص ذوو الإعاقة، والذين يعيشون في فقر مدقع، ومن لا مأوى لهم، والمجموعات السكانية التي يصعب الوصول إليها، مثل تلك الموجودة في المناطق الريفية والنائية. لم تبذل وزارة الصحة أي جهود خاصة أو إجراءات استباقية للوصول لهذه المجموعات وضمان حصولهم على اللقاح.

غياب الشفافية وضعف التواصل

رصدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في بيانها "تطعيم كوفيد 19..حق للمواطنين مجانا وبدون تمييز" المنشور في 6 يناير/ كانون الثاني الماضي غياب طريقة منظمة وموثوقة للإعلان عن المعلومات الخاصة بتوفير اللقاح، واعتماد "الصحة" أو المسؤولين عن إدارة الأزمة على التصريحات التلفزيونية كمصدر المعلومات الوحيد حول الإجراءات التي تتخذها الدولة لتوفير اللقاحات.

ما زالت هذه الظاهرة مستمرة حتى الآن ويمكن ملاحظتها في عدم إعلان وزارة الصحة عن عدد المواطنين الذين تلقوا اللقاح يوميًا، وعدد من حصل على الجرعة الأولى فقط، ومن حصل على الجرعتين، وتخرج هذه المعلومات على شكل تصريحات متفرقة.

على سبيل المثال، في 4 مايو/ أيار صرح رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، أن مليون مواطن حصلوا على لقاح كورونا، بعدها بأيام، وفي 9 مايو، قال أحد مساعدي وزيرة الصحة، هالة زايد، أن الوزارة انتهت من تطعيم مليون و300 شخص ضد فيروس كورونا.

هذا النمط المتكرر في الإعلان عن المعلومات والبيانات أمر يستدعي مراجعته وتغييره، حيث إن البيانات الموثوقة والمعول عليها والتي تعلن في التوقيت المناسب تساعد وتشجع المواطنين على الثقة والاستجابة لإجراءات وتوصيات الدولة للتعامل مع الجائحة.


اقرأ أيضًا: مخاوف غير علمية وحملات توعية غائبة: لماذا يخشى الكثيرون من اللقاح؟

أحد متلقي لقاح كورونا في البحر الأحمر يوقع الإقرار قبل تطعيمه. الصورة: وزارة الصحة - فيسبوك

وتعد البيانات الموثقة واليومية عاملًا مهما في وقف المعلومات المضللة عن اللقاحات. لذلك، يستلزم الوضع الحالي وجود بيان يومي بعدد من تم تطعيمهم يوميًا والذين حصلوا على جرعة واحدة والذين حصلوا على جرعتين، على سبيل المثال، تصدر وزارة الصحة المغربية في نشرتها اليومية عدد الملقحين بالجرعة الأولى والثانية.

ولم تقم الدولة بدورها في إطلاق حملة إعلامية من أجل مواجهة الشكوك والتردد حول لقاح كوفيد ـ 19، فالعديد من المواطنين لا يعلمون المعلومات الأساسية عن اللقاح، ومنهم من لا يعلم أصلًا بوجود حملة للتطعيم ضد كوفيد-19، وأن الدولة توفر التطعيمات مجانًا.

تحتاج الدولة أن تستقي من تجربتها في الكشف عن فيروس الالتهاب الكبدي (سي) وعلاجه خبرة إدارة عملية توصيل اللقاح للمواطنين، إذ تميزت تلك الحملة بالتواجد الجغرافي في جميع أنحاء البلاد، إذ خُصص نحو 1412 مقرًا للحملة، منها وحدات الرعاية الأساسية، ومستشفيات وزارة الصحة، وسيارات العيادات المتنقلة، ومنشآت أخرى منها مراكز الشباب.

كذلك، سبق البدء الفعلي للحملة، حملة إعلامية مكثفة لإقناع المواطنين وتعريفهم بمزايا الاستجابة للحملة، وهو ما كان سببًا رئيسيًا للإقبال الكبير من المواطنين، فضلًا عن تخطيط وتصميم مسبق لإدارة الحملة على ثلاث مراحل مما سهل عملية التطبيق والتنفيذ.