مهاجم برينتفورد ماركوس فروس يحتفل مع جماهير النادي بهدفه في فروست جريين- الصورة: الحساب الرسمي للاعب على تويتر

برينتفورد: حلم المقامر يُرى ولا يزول

قبل عشرين سنة من اليوم، اتخذ الإنجليزي ماثيو بينهام، وهو شاب نابغ للغاية في مجال التحليل الرقمي، قرارًا اقترب به خطوة من إدراك شغفه الأزلي، وغيّر حياته تمامًا، عندما قدم استقالته من وظيفته البنكية المرموقة لينتقل إلى شركة للمراهنات.

كان بينهام شغوفًا بكرة القدم لكنه لم يمارسها وإنما التحق بجامعة أكسفورد في أواخر الثمانينيات وتخصص في مجال الفيزياء وعمل به فترة وجيزة، انتقل بعدها إلى مجال التمويل الذي شغل فيه مناصب كثيرة أبرزها المدير التنفيذي لـ Bank of America، قبل أن يلتحق بـ Premier Bet للمراهنات، لكن الشاب الذي سرعان ما ترك شركته الجديدة بحثًا عن الاستقلال وبدء عمله الخاص كمراهن، كان يشغله حلم آخر غير إدراك الثروة؛ كان ما يزال حتى تلك اللحظة منغمسًا في صخب المباراة الأولى التي شاهد فيها فريقه برينتفورد يلعب وهو فتى في الحادية عشر من عمره، لكن النادي الإنجليزي العريق صار يعاني من تراكم للديون وضعه على حافة الإفلاس، ولم يحتج بينهام سوى خمس سنوات فقط من أزمة النادي الاقتصادية التي بدأت في 2007 كي يحقق حلمه الأساسي ويتمكن من شراء النادي وإنقاذه.

في الأسبوع الثاني من أغسطس/ آب الجاري، عندما انطلق الدوري الإنجليزي، ارتفع اسم بينهام عاليًا ليس في الأوساط الإنجليزية فحسب وإنما عبر العالم، بعد أن هزم فريقه الصاعد حديثًا إلى الدرجة الممتازة فريق آرسنال بهدفين مقابل لا شيء، لكن تلك النتيجة لم تكن وليدة اللحظة أو صدفة ستعبر بسهولة خلال الموسم الإنجليزي الممتد حتى مايو/ آيار المقبل، فبرينتفورد العائد إلى البريمييرليج بعد 74 سنة من اللعب في الدوريات الدنيا صار يصنف على أنه النادي الأذكى في تاريخ كرة القدم الانجليزية.

لفهم ذلك نحن في حاجة إلى العودة بالزمن مرة أخرى إلى عام 2001، حيث اللحظة التي قرر فيها بينهام دخول مجال المراهنات.

المقامر

عندما التحق ماثيو بـ Premeir Bet، لم تكن طريقته في العمل مألوفة لمن حوله، حيث كانت تعتمد بشكل كبير على الإحصائيات والتحليلات الرياضية لمباريات الكرة، ولاحقًا في عام 2004 استطاع تشكيل نقابة المراهنات الخاصة به تحت عنوان Smart Odds، التي لم تقتصر على نشاطها في المراهنة، بل كانت أشبه بمركز أبحاث متخصص في المجال الرياضي، توفر الإحصائيات والتحليلات والتنبؤات للمراهنين المحترفين والمشاركين في صناعة بيزنس القمار، كانت بداية تلك الشركة متواضعة، أما الآن فتقوم بتحليل كرة القدم في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى العديد من الرياضات الأخرى مثل كرة السلة والبيسبول والتنس والهوكي وكرة القدم الأمريكية.

المهم أن تلك الخطوة كانت بمثابة منجم الذهب لماثيو بينهام حيث حققت Smart Odds نجاحًا كبيرًا وساهمت في نمو ثروته بشكل بالغ، وفي عام 2011 استثمر في تبادل المراهنات عبر شركة Matchbook، التي أصبحت حاليًا واحدة من البورصات الرئيسية في العالم.

وفي الوسط من ذلك الانشغال كله، كان بينهام يدخر ما اكتسبه من خبرات وقدرة على التحليل الرياضي للرهان على حلمه الخاص، ففي 2007 وبينما كان ناديه الأثير على شفا الإفلاس، قامت مجموعة من مشجعي النادي باقتراض 700 ألف دولار من مستثمر مجهول رفض الإفصاح عن هويته، وذلك لشراء النادي وتخليصه من الدائنين على أن يتم تسديد القرض في موعد أقصاه خمس سنوات، وفى حالة عدم القدرة على السداد في الوقت المناسب، سيستحوذ ذلك المستثمر على أسهم النادي.

لكن ذلك المبلغ استطاع بالكاد تسديد ديون النادي دون أن يمكن مشجعيه من إعادة ترميمه اقتصاديًا، وهكذا لم يستطيعون الإيفاء بالقرض الذي التزموا بتسديده لذلك المستثمر في مدة السنوات الخمس المتفق عليها، ليأتي عام 2012 وتنتهي المهلة ويفصح المستثمر المجهول عن هويته إنه ماثيو بينهام نفسه، غير أنه صار الآن مالكًا للنادي الذي عشقه منذ الطفولة، بعدما أبرم اتفاقية شراكة مع صندوق الدعم الذي كان مسؤولًا عن الإدارة في ذلك الوقت وحصل على النسبة المسيطرة من أسهمه.

بينهام يتحدث عن تجربته مع ميتلاند الدنماركي


إن حنكة المراهن وصبره الذي اكتسبهما بينهام بفضل ذكاءه وما خاضه من خبرات في مجال عمله الخاص، ألهمته قدرًا كبيرًا من الصبر والقدرة على التخطيط طويل المدى، فكما انتظر خمسة سنوات كاملة حتى يحصل على ناديه بمقابل بخس، فإنه أيضًا لم يتسرع في المغامرة بتنفيذ استراتيجيته في الدوري الإنجليزي بمستوياته المختلفة، وإنما فضل اختبارها في بيئة أخرى قبل نقلها إلى المملكة المتحدة، فاشترى في عام 2014 نادي ميتلاند الدنماركي الذي أنفق عليه نحو 10 ملايين جنيه استرليني أتت أكلها سريعًا، بعد أن صار ميتلاند واحدًا من الفرق الكبرى في دوريه وحصد العديد من الألقاب المحلية، ساعتها فقط شعر المراهن البريطاني أن استراتيجيته صارت جاهزة لبرينتفورد.

انسف حمامك القديم

كانت الخطوة الأولى لبينهام في برينتفورد أن فصل جميع العاملين بالنادي واستبدالهم بآخرين من ذوي التفكير التحليلي اللذين يمقتون روتين الإدارة الاعتيادي، وطور ومجموعته الجديدة مجموعة من مؤشرات الأداء الرئيسية التي تحدد ما إذا كانوا يحرزون تقدمًا أم لا بعيدًا عن الاعتبارات الاعتيادية للمكسب والخسارة.

اعتمدت تلك الإستراتيجية على أسلوب إحصائي ومفاهيم تحليلية بحتة تحدد من خلال الأرقام والتحليلات التوقعات المحتملة لكل مباراة على حدة، فضلًا عن الاعتماد على مجموعة من شركات التحليلات الرياضية الأخرى للمساعدة في تحديد أفضل المواهب المتاحة للانضمام إلى الفريق، وذلك لتمكين النادي من تدعيم صفوفه بمواهب حقيقية دون تعيين ميزانية ضخمة لذلك الهدف.

لم يكن برينتفورد- بينهام أول الأندية الإنجليزية التي تعتمد تلك الاستراتيجية لبناء مستقبل فريقه، بل إنه بصورة ما يمثل امتدادًا لتجربة ليفربول مع يورجن كلوب الذي كلف مساعده إيان جراهام بتأسيس خوارزميات لتحليل الفريق من كل الجوانب بعد ثلاثة أسابيع من توليه القيادة الفنية للريدز في 2016، عن طريق الحصول على المعلومات الخاصة بأداء الفريق وتحليلها والخروج باستنتاجات وتحويلها إلى قرارات وسياسات نفذها المدرب خارج المربع الأخضر أو داخله وهو الأمر الذي مكّن ليفربول لاحقًا من تحقيق لقب الدوري الإنجليزي الغائب عن الفريق لمدة 30 عامًا والحصول أيضًا على دوري الأبطال والسوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية، وهي الألقاب التي أرجع كلوب الفضل فيها لجراهام الذي للمصادفة كان هو أيضًا دارسًا للفيزياء وحاصلًا على درجة الدكتوراه فيها من جامعة كامبريدج.

أبرز اللقطات من مباراة صعود برينتفورد للبريميير ليج


ولكن على عكس ليفربول وغيره من الأندية الكبرى التي تستثمر ملايين الدولارات في أكاديميات الناشئين، قرر برينتفورد إغلاق أكاديميته تمامًا، والاعتماد بدلًا منها على فريق الرديف، الذي كانت أعمار لاعبيه تتراوح ما بين 17 إلى 20 عامًا، ولأن بينهام كان يؤمن بأن اللاعب الشاب يحتاج 30 مباراة على الأقل قبل تحديد مستواه ومن ثم قيمته المادية، وهو ما لا يتاح للأندية الغنية التي لا تملك وقتًا للصبر على أولئك اللاعبين، تمكن برينتفورد من اكتشاف العديد من المواهب الواعدة في فريقه الرديف وتدعيمهم بآخرين مهرة منخفضي القيمة المادية لبناء فريقه الأول، الذي تطور مع التدريب وما خاضه من تحديات خلال المباريات المختلفة، فأفرزوا عددًا من النجوم استطاع النادي جني أرباح طائلة من بيعهم لأندية البريميير ليج، مثل الجناح الجزائري سعيد بن رحمة الذي بيع إلى ويست هام بـ 40 مليون دولار وكان برينتفورد اشتراه بـ 3.5 مليون فقط، بالإضافة إلى نيل موباي الذي اشتراه النادي بـ 2.1 مليون دولار ثم باعه إلى برايتون بـ 26 مليونًا، وكذلك أولي واتيكينز الذي اشتراه بينهام بـ 2.2 مليون دولار قبل أن يبيعه لأستون فيلا مقابل 36 مليونًا.

تلك السياسة المالية الحكيمة أدت إلى تحقيق النادي المزيد من الأرباح مما ضاعف من قيمته التي وصلت حاليًا إلى 300 مليون دولار، مرشحة إلى الزيادة بمقدار 100 مليون كاملة إن استطاع النادي الصمود في البريمير ليج هذا العام.

مع الكبار

لم يكن ماثيو مهتمًا بصناعة فريق قوي فحسب، وإنما كان يؤمن بضرورة تطوير البنية التحتية للنادي الصغير لتناسب ما ينتظره من مستقبل، حيث رأى أن ملعب جريفين بارك التاريخي للنادي صار قديمًا بما يكفي لاستيعاب ذلك المستقبل، فأنشأ ملعبًا جديدًا تحت اسم مجتمع برينفورد يتسع لـ 20 ألف مشجع، وهو الملعب الذي يخوض عليه الفريق مبارياته منذ الموسم الماضي عام 2020-2021.

وبناءً على الاستثمار الجيد وإدارة الفريق الحكيمة، حقق النادي تحسنًا سريعًا، وتمكن من الصعود إلى الدرجة الثالثة ثم الشامبيونشيب (الدرجة الثانية) في عام 2014، وظل يُقاتل على فرصة الصعود إلى الأضواء واللعب مع الكبار، وكاد أن يحققها الموسم قبل الماضي 2020/2019 ولكنه أقصي على يد جاره اللدود نادي فولهام في المباراة النهائية لتحديد ثالث الصاعدين للبريمرليج، ليعود ويحقق حلمه في الموسم الذي يليه بعدما تمكن من الفوز على سوانزي سيتي بهدفين نظيفين في أغلى مباراة في عالم كرة القدم، النهائي المؤهل للدوري الإنجليزي الممتاز، الذي تقدر عوائده المالية بـ 175 مليون جنيه استرلينى حصدهم الفريق المُلقب بالنحل.

أهداف الفريق ضد أرسنال في افتتاح الموسم الحالي من الدوري الإنجليزي الممتاز


وفي مساء الجمعة الأولى من افتتاح الموسم الجديد للدوري الإنجليزي، كان ماثيو بينهام يشاهد فريقه بقلب الطفل ذي الأحد عشر عامًا بالحماس والصخب نفسيهما، لكنه ربمًا لم يحلم أن يدرك فريقه الأثير فوزه الأولى على أحد عمالقة الدوري الإنجليزي وبهدفين دون رد، لكن المدرب الدنماركي المجتهد توماس فرانك، وفريقه الشاب الذي يبلغ متوسط أعمار لاعبيه 24 سنةً، استطاعوا اجتياز آرسنال بتلك النتيجة، قبل أن يتعادلوا في مباراتهم الثانية مع كريستال بالاس ثم يعودوا للمكسب سريعًا بتخطي فوريست جريين بثلاثة أهداف لهدف في كأس الكارباو، وكأن المستقبل لا يزال يعد بينهام وناديه بمزيد من الازدهار، فتحويل قيمة ناد في تسع سنوات فقط من 700 ألف لـ300 مليون دولار هو في حد ذاته قصة ملهمة صعبة التكرار أو الزوال سريعًا في الوقت نفسه.