تصميم: يوسف أيمن- المنصة

طاولة المقامر وشياطينه| الحب وشياطين أخرى في حياة دوستويفسكي

تحدَّث فيودور دوستويفسكي بأصواتٍ كثيرة، سواء في أعماله الأدبية أو يومياته أو رسائله. تحدّث كثائرٍ يسعى إلى التغيير الجذري، ثائر مستعد لمواجهة حُكم الإعدام وسنوات في السِجن بتهمة التآمُر ضد القيصر. وتحدَّث كمؤمن أرثوذكسي روسي تقليدي يشجب الوَسط الليبرالي بسبب تفاهته وافتقاره للإيمان. تحدَّث كنبيٍ يحمل شُعلة الأدب الروسي نحو فجر يومٍ جديد. وقال ذات مرة عن رواياته ما قد يَصدق كثيرًا على حياته أيضًا "قصص عديدة طُحنَت وعُجنَت في قصة واحدة كبيرة وهكذا فلَا تَناسُب ولا تَناغُم".

كتبَ الناقد الأدبي الكبير ميخائيل باختين ذات مرة إنَّ الصراع بين الأصوات المختلفة هو مَكمن قوة أدب دوستويفسكي. وعلى هذا فَكم كان ملائمًا للكاتب والروائي آلكس خريستوفي، في كتابه الصادر حديثًا بعنوان دوستويفسكي عاشقًا: حياة حميمة، أن يسردَ قصة عملاق الأدب الروسي الكبير بمزج كلماته الخاصة بكلمات شخصياته، على الرغم من حرصه منذ البداية على التمييز بين هذه وتلك بعلامات كتابية مختلفة، الأقواس والحروف المائلة، لكنه يخلط كل تلك الأصوات المتنوعة معًا في توليفة سردية موحّدة.

غلاف الكتاب

آلكس خريستوفي مُحرر أدبي وقاص يعيش في لندن، إلى جانب كتبه ينشر باستمرار المقالات ومراجعات الكتب الجديدة، حققت روايته بعنوان زُجاج (2015) نجاحًا كبيرًا، ويعد كتابه هذا عن الحياة الحميمة لدوستويفسكي أحدث أعماله وصدر في مارس/ أذار الماضي (2021) عن دار نشر بلومزبري، وأثارَ في الأوان الأخير ردود فعل إيجابية في المجمَل.

لم يُخلّف دوستويفسكي، الذي مات في السادسة والخمسين، سيرة ذاتية كاملة ولكنه "دفنَ قلبه في كتاباته الأدبية"، حسبَ تعبير خريستوفي الذي وصف كتابه بأنه أقل مِن سِيرة وأقرب إلى مُذكّرات أعيد تجميعها وتركيبها. في معرض شرحه لمنهج عمله لم يخجل من الإشارة إلى "ارتكاب حماقات من الناحية الأكاديمية عن طيب خاطر" بكتابة سيرة كاتب عبرَ أعماله الإبداعية، وحقَّق ذلك بمزج صوته هو نفسه كمؤلّف بصوت دوستويفسكي، بمقتطفات مأخوذة من رسائله ودفاتره الخاصة وقصصه ورواياته، ونسج ذلك كله معًا في النص، ولكي لا يقطع تدفّق السرد يؤجّل حَصر مصادره العديدة حتى نهاية الكتاب.

تقرَ الناقدة الأدبية البريطانية فرانسيس وِلسُن، في مقالها عن الكتاب في الجارديان، بأنها "فكرة ألمعية وطريقة ناجعة، وخصوصًا لأنها تجعلنا نغوص في حقل القوة المحيط بفكر دوستويفسكي، الذي يوظفه مؤلف الكتاب لتفسير منهجه المنفلت الجامح، فالحقائق، كما يُذكرنا دوستويفسكي في الجريمة والعقاب، وكما يُذكّرنا خريستوفي هنا كذلك"ليست كل شيء؛ بل أن نعلم كيف نتعاطى مع الحقائق هو على الأقل نصف المعركة".

الراوي والاقتباس وضمير المتكلم

إنَّ استعراضًا كاملًا لنطاق حياة دوستويفسكي الشخصية والعَملية، عبر علاقاته العاطفية، هو تحدٍ غير طبيعي، لكنَّ ما رفعَ سقف ذلك التحدي هو الشكل الذي اختاره آلكس خريستوفي لصياغة كتابه، بعناصره الثلاثية المندمجة معًا: فمِن ناحية هناك صوت الراوي النموذجي الذي يحكي بالضمير الغائب عن الكاتب وحياته وعلاقاته، وإلى جانبه تُوجد اقتباسات مِن أعمال دوستويفسكي، ثم العنصر الثالث المراوغ المكتوب بضمير المتكلم، وهو من ابتكار خريستوفي، ومُستمد مباشرةً أو مُستَبط تَخمينًا مِن رسائل دوستويفسكي ودفاتره الخاصة ويومياته وكتاباته الأدبية، جنبًا إلى جنب ملاحظات أفراد من محيطه الشخصي والأدبي.

ولعلَّ قراءة هذه الطريقة في التوليف، لأوَّل وهلة، تكون مُربكة إذ يقفز الراوي بين الضمائر المختلفة والأصوات المتنازَعة، لكن ما أن يصير الأسلوب مألوفًا حتَّى يتدفق السرد بمزيد من اليسر والسلاسة، أو هذا على الأقل رأي ريتشارد كريبو في New York Journal of Books.

وعلى الرغم من المديح الموجّه للكتاب على العموم، لم يخلُ الأمر مِن بعض الانتقادات المُوجّهة لهذه الطريقة التي اختارها خريستوفي، اعتمادًا على اهتمام دوستويفسكي بالصراع بين الأصوات المتنوعة لشخصيات أعماله، وهو التساؤل الذي طرحه الكاتب والأستاذ الجامعي روس كولينز في مقاله عن الكتاب، المنشور في Chicago Review of books "لماذا يتم دمج أصوات متمايزة في سردية موحّدة بينما كان دوستويفسكي يضع تلك الأصوات في حالة صراع؟ لقد اعتقد دوستويفسكي بأنَّ جوقة الأصوات المفككة والمفتقِرة للتناغم بينها، في رواياته، هي أصدق وأخلص للحياة الحقيقية من الأغنيات التي تهيمن عليها نغمة موحّدة. وبدلًا مِن خَلط كل تلك الأصوات في قصى واحدة متماسكة، كان يمكن لخريستوفي أن يدع تلك الأصوات المتباينة تتصارع وتتنازع القصة فيما بينها". بتعبيرٍ آخَر كان يمكن لكتابٍ عن حياة دوستويفسكي العاطفية أن ينتفع ببعضٍ مِن انعدام التناسُب والتناغُم في كتابته، الذي أشارَ إليه هو نفسه.

ضوء كاشف

قد يتساءل مَن لا يعرف دوستويفسكي كاتبًا: هل يستحق ككاتب كل هذا القدر من الاهتمام المتواصل حتَّى اللحظة الراهنة؟ الحقيقة أنَّ أي إجابة على هذا السؤال ستكون منقوصة ومبتورة إن لم يخض المرء بنفسه تجربة قراءة أعماله، وعلى الرغم مِن ذلك فلا مجال للتملص من حقيقة أنه واحد مِن أعظم وأهم الأدباء الروس في القرن العشرين، إن لم يكن في الأدب العالمي عمومًا خلال أي قرن، وهي المكانة التي لا ينافسه عليها كثيرون. نشر اثنتي عشرة رواية وأربع نوفيلات، وستة عشر قصة قصيرة وفصول من يوميات، ومقالات وكتابات أخرى متفرقة في الصحف والمجلات، إضافةً إلى مُنتخبات من دفاتره الشخصية ومراسلاته التي نشرت منذ وفاته.

غير أنَّ عظمته، بكل تأكيد، لا تُقاس بكَم ما أنجزه، بل بطبيعة وقيمة هذا المنجز، إذ تُلقي كتابات دوستويفسكي ضوءًا كاشفًا على الوضع الإنساني العام، بقدر ما تكشف العالَم الفكري والعاطفي لمعاصريه على الصعيدين المادي والروحي. وباختصار يكمن جوهر فرادته في عُمق استيعابه للوجود الإنساني وقدرته على نقل ذلك العمق عبر الكلمة المكتوبة. ثم تأتي تجاربه وحياته الشخصية لتضيف إلى هذا كله بُعدًا يصعب تجاهله.

ينطلق كتاب خريستوفي من عام 1849، إذ يتخيَّل دوستويفسكي وهو على شفا أن يُعدَم رميًا بالرصاص بعد إدانته بتهمة التآمر ضد القيصر، حين أُخذَ مع خمسة آخرين إلى ساحة سميونفسكي ليقفوا أمامَ كتيبة الإعدام، بعد أن أمضى ثمانية أشهر من الحبس الانفرادي، في انتظار موعده مع الموت. يكتب في رسالة تالية لأخيه ميخائيل عن "يقين الموت، ففي غضون نصف دقيقة سوف تغادر روحك جسدك ولن يعود لك وجود كإنسان". ثم يأتي عفوٌ مفاجئ في اللحظة الأخيرة، كما في الأفلام والروايات تمامًا، ما جعله يتأمّل في "الغاية من الحياة"، وأن يراها "مِنحة، والحياة هي السعادة". وهي النغمة التي سوف تتردد مرارًا سواء في حياته الشخصية أو في كتاباته.

ثم ينتقل الكتاب إلى فترة أبعد من الماضي (تحديدًا السنوات من 1821 إلى 1845)، حيث يتعقب السرد الخطّي مولد دوستويفسكي وطفولته، وسنواته الأولى الموسومة بصدمة عصبية حادة (في التاسعة من عمره، يتراءى له أنَّ ذئبًا يطارده في الغابة)، ثم كارثة (حين يحترق حد الدمار التام منزل أسرته وممتلكاتها)، ثم الحداد والحزن (في الخامسة عشرة من عمره تموت أمه بمرض السُل، بعد فترة قصيرة من العثور على أبيه ميتًا في قناة ماء صغيرة، ويُرجّح أنه قُتلَ على أيدي الفلاحين الأقنان في أرضه). تلك أحداثٌ جسيمة حوّلته وغيرت جلدَ "الشاعر الذي في رداء مهندس"، وهكذا عندما نشر أولى رواياته الفقراء وهو في الرابعة والعشرين من العمر، احتفى بها النقاد وأعلن بعضهم "أنه أظهر للجميع الحقيقة الرهيبة للحياة، ورسم المأساة الكاملة لشخصياته بكل حيوية ووضوح، من خلال تلك اللحظات الصغيرة ذات الشأن والدلالة" وأنه كتب "بدقة نوع الرواية الاجتماعية التي كان الأدب الروسي يصرخ طالبًا إيَّاها".

بينما كان يكتب رواية الشياطين كانت النوبات من الشدة والبأس بحيث ما كان يتذكّر أي شيء يخص حبكة الرواية أو أسماء شخصياته، عندما يستفيق ويستعيد وعيه.

وحقيقة الأمر أنه كان قد بدأ منذ ذلك الحين يتصوَّر مسبقًا "النماذج الأصلية الكبرى المتكررة في أعماله... السكَير، المستهتر المنحل، المحكوم عليه بالموت"، ولعلَّ تلك الكلمات ذاتها تصدق لوصفه هو نفسه، فقد وسمت حياته بأكلمها بأشباح المرض وأشكال الإدمان المختلفة. بحسب مقال موقع World literature Today وبينما اتجهت رواياته لمعالجة النَفس، ظلَّ هو يجالد مع بدنه وهمومه: منذ خروجه من السجن، عانى نوبات صَرع شديدة توهِن القوى، أصابته إحداها ليلةَ زفافه في زواجه الأول وتركت أثرًا لا يُمحى على زوجته وعلاقتهما فيما بعد، وبينما كان يكتب رواية الشياطين كانت النوبات من الشدة والبأس بحيث ما كان يتذكّر أي شيء يخص حبكة الرواية أو أسماء شخصياته، عندما يستفيق ويستعيد وعيه.

إلى جانب الصرع كان هناك قصر النَظر، والبواسير، ومشكلات في المثانة، فضلًا عن إدمانه المشروبات الكحولية والمقامرة، ما جرَّ عليه طيلة حياته أزمات لا تحصى. وعلى هذا يُمكن القول بضميرٍ مُطمئن إن حياة دوستويفسكي تنتمي إلى عالمه الروائي بامتياز، أو الأحرى أنَّ عالمه الروائي كان مرآة صافية ينعكس عليها كل ما يختبره مباشرة من عناء واضطراب. وقد آمنَ بأنَّ المعاناة هي ما تضفي قيمةً على الوجود، كما كتبَ في الجريمة والعقاب "المعاناة والألم لا مفر منهما على الدوام للعقول الكبيرة والقلوب العميقة". وأيضًا "على ما يبدو لي، إنَّ الأشخاص العظماء حقًا لا بدَّ أن يشعروا بحُزنٍ عظيم على هذه الأرض". لكنه لطالما نشد العزاء والسلوى، ووجدهما، في كلٍ من الأدب والحُب.

دوستويفسكي في السجن 

نساء ثلاث

ثلاث نساء، على التحديد، كُنَّ البطلات الرئيسات في حياة دوستويفسكي الرومانسية، وذلك منذ عام 1857 وحتى وفاته في 1881، وارتبط باثنتين منهنَّ بالزواج، وفي كل حالة منهنَّ كُنَّ أصغر منه سنًا بفارق غير هيّن. وغالبًا ما كُنَّ متزوجات من رجالٍ آخرين عندما بدأت علاقته بهنَّ.

كانَ جُندي جيش في سيبريا، في الخامسة والثلاثين من عمره، عندما التقى حبه الحقيقي الأول، ماريا إيسايڨا، في الثامنة والعشرين، امرأة متقلبة المزاج ومريضة رئة، وزوجة لرجل سكير ومتلاف يدعى ألكزَندر، ولها ابن لديه سبع سنين. وبدا هذا الحب محكومًا عليه بالإخفاق، لا سيما عندما انتقلت ماريا مع زوجها إلى كوزنيتسك التي تبعد حوالي 700 كيلومترًا عن جنوبي سيبيريا حيث كان هو مجندًا، غير أن المراسلات تستمر، تلك التي ضاعت فيما بعد في خضم حياة ماريا غير المستقرة. ثم يموت الزوج بعد بضع سنين، تاركًا ماريًا بمفردها تحت وطأة الفقر والديون، فيرسل لها صاحبنا آخر أموال يملكها، عارضًا عليها الزواج، وأمر سائق العربة (المِرسال) أن ينتظر منها ردًا قبل أن يعود في رحلة تستغرق أسبوعًا وسط الجليد.

رفضت ماريا عرضه، لم تتخيل أن تتزوج جنديًا مفلسًا، وسرعان ما وقعت في غرام رجل كان لا يمتاز شيئًا عن دوستويفسكي لا في الفقر ولا في الحماقة، كتب صاحبنا آنذاك "بالكاد أستطيع أن أفهم كيف لي أن أواصل الحياة"، مدركًا أنَّ هذه الميلودرما ليست إلَّا تكرارًا لما كتبه في حبكة روايته الفقراء.

غير أنه يتزوج ماريا في نهاية المطاف، سنة 1857، بعد أن لانت وبعد أن ارتقى في الرتبة العسكرية وصار ملازمًا ثانيًا. وتصيبه نوبة الصرع الأولى الكاملة ليلة عُرسهما. لم تتعافَ هي على الإطلاق من مرأى جسده المكوم الملتوي، وكما كتب "أثارت تلك النوبة الذُعر في نفس زوجتي حدَّ الموت، وتركتني مفعمًا بالحُزن والكآبة". كانت فترة تعسة بالنسبة له، حتَّى بعد أن نالَ ما ظلَّ يتمناه ويلاحقه على مدى ثلاثة أعوام، ليكتشف في نهاية المطاف أنَّ السعادة لم تزل مطلبًا بعيد المنال، إذ لم يتقاسم الزوجان يومًا واحدًا من السعادة الصافية، لكن متى كان من السهل العثور على سعادة صافية في حياة دوستويفسكي على الإطلاق؟ وبدأ يشعر أنَّ المعاناة تشوب كل شيء، وظلَّ يتحمّل مصيره خلال زواجهما حتَّى وفاة ماريا بفعل الدرن في سنة 1864.

في سِن الأربعين يلتقى بمشعوقته الثانية (التي لم يتزوجها) آبوليناريا سوسلوفا (التي عرفت باسم بولينا)، وكانت في الواحدة والعشرين عندما أرسلت قصة قصيرة بقلمها إلى الصحيفة الأدبية العصر التي أسسها دوستويفسكي بمشاركة شقيقه، بهدف أن "ترأب الفجوة ما بين رجل الشارع العادي والنخبة المتعلمة". كانت أفكاره وخيالاته حولها تُصوّرها وكأنها شخصية طالعة من رواية الإخوة كارامازوف "لها مظهر جميل جدًا جدًا، ذلك الجمال الروسي ويتعشقها رجالٌ كثيرون". إنها "ذات كبرياء وطموح... وسرعان ما توطدت الصداقة بينها وبين الروائي العظيم". لكنه لم يكن حبًا وُلدَ ليبقى، فسرعان ما هجرته من أجل شاب إسباني التقت به في باريس، حيث كان من المفترض أن يلتقي بها دوستويفسكي هناك لكنه نسي نفسه وظل يقامر بلا هوادة في كازينو فيسبادن (مدينة وسط ألمانيا)، حيث تتجاوز خسائره مكاسبه، ويصبح "على شفا اليأس"، ويرى التجربة بكاملة بوصفها "مادة رائعة لكتابة قصة".

كان مثقلًا بالديون، ومهددًا بالإفلاس، وحسب تعاقدٍ مُلزِم كان عليه تسليم روايته الجريمة والعقاب، في عشر ملازم طباعة، خلال شهر واحد، وكانت مهمة كتابتها بيده شِبه مستحيلة، ولم يجد مفرًا مِن قبول اقتراح بعض أصدقائه أن يُمليها على أفضل تلميذة في فصول الاختزال، وهي آنا جرويجورفنا سنيتكينا ذات الواحد والعشرين عامًا التي ستكون حبه الأخير والزوجة التي ستبقى إلى جانبه حتَّى نهاية حياته لتكون ناسخة الآلة الكاتبة له وأم عياله ومديرة أعماله ومحاسبته، هي المختلفة تمامًا عن الروائي الكبير، بطبيعتها العَملية المدققة في التعاقدات والأرقام والتفاصيل، بينما كان يكتب وينشر أهم أعماله أو بينما يرهن أعز ممتلكاته القليلة مرة بعد الأخرى (ساعة يده وخواتم زواجهما) لتسديد ديون مائدة القمار.

حسب كُتَيب نساء في حياة دوستويفسكي*، الذي ترجمه إلى العربية الدكتور أنور إبراهيم وكان فصلًا في كتاب ليونيد جروسمان صور أدبية، تتذكَّر آنَّا بعد خمسين عامًا (في شتاء 1917) لقاءها الأوَّل مع زوج المستقبل بشعور بالعذاب لا يُنسَى "لا يُمكن لأي كلمات أن تعبّر عن هذا الانطباع الثقيل المؤسِف الذي تركه في نفسي فيودور ميخايلوفيتش لدى لقائنا الأوّل. بدا لي حائرًا مهمومًا بشدة، عاجزًا، وحيدًا، مضطربًا، مريضًا، وأنه يعاني وطأة البؤس، وأنه لا يرى وجهك وليس بمقدوره أن يقيم معك حوارًا... والحقيقة أنَّ هذا الانطباع قد زال عني في اللقاءات التالية...".

استقرت حياة دوستويفسكي، بقدر ما تسمح به نفسه المعذبة وأمراضه وإدماناته، مع زوجته آنا التي أنجبت له أولادهما الأربعة، وخلال العشرين سنة التالية على زواجهما، انصبَّ تركيزه الأساسي على كتاباته، وقد بلغ ذورة مساره الإبداعي في تحفته الأدبية الهائلة الإخوة كارامازوف. وعلى الرغم من جميع نجاحاته، ظلَّ يصف حياته بأنها "سلسلة من اللعنات"، ويؤكد أنه "من الثقيل والفظيع أن يكون المرء كاتبًا". لكنَّ ما لا مِراء فيه أنَّ الحب الحقيقي الوحيد في حياته ظلَّ دائمًا هو الأدب.


* نساء في حياة دوستويفسكي، فصل من كتاب ليونيد جروسمان صور أدبية، ترجمة الدكتور أنور إبراهيم، صدر في سلسلة الروائع، عن قطاع أخبار اليوم، العدد السادس، سنة 2015. ويمكن الرجوع إليه لمزيد من التفاصيل حول أهم المحطات العاطفية في حياة دوستويفسكي، لا سيما محطته الأخيرة مع زوجته آنا صاحبة الفضل الكبير في استقرار حياته وبالتالي في اكتمال ونشر عدد كبير من أهم أعماله.


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.