تصميم: يوسف أيمن- المنصة

طاولة المقامر وشياطينه| مالم يره بلينسكي في رواية "المِثْل"

لأن بلينسكي كان قائدًا ومُنظِّرًا سياسيًا لليسار، كان طبيعيًا أن يحتفي بـالفقراء في الرواية التي تقوم على التراسل بين كهل فقير وشابة معدمة ومريضة، ويضطر الكهل في النهاية إلى التضحية بحبه لها، بل ومساعدتها في الإعداد لزفافها إلى رجل ثري لم يستطع أن ينالها دون زواج.

ولم ير بلينسكي في رواية المثل ذلك المستوى من الفقر المذل لم يتحمس لها، واعتبرها مجرد هلاوس.

في بداية المِثْل نطالع سردًا لم يزل إلى اليوم متقودمًا مدهشًا. ياكوف بتروفتش جولدياكين، الكاتب في إحدى الإدارات الحكومية، يستيقظ في الثامنة صباحًا بعد نوم طويل، في الحالة التي لا يُميِّز فيها الإنسان إن كان قد استيقظ حقًا وأن ما يراه جزءٌ من العالم الواقعي أم هو امتداد لرؤى أحلامه المضطربة. يتأمل ما حوله فيرى "ما ألِف أن يراه من عيون محدقة إليه: نظرات جدران الغرفة التي يغشاها الغبار والدخان، ويميل لونها إلى خضرة متسخة، ونظرات منضدته المصنوعة من خشب الأكاجو، ونظرات كراسيه وهي تقليد لكراسي خشب الأكاجو..". تحديق قطع الأثاث في جولدياكن ليس فعلاً استثنائيًا في ذلك الصباح لكنه دأبها.

هذا الاستهلال يهيئنا لتخمينات متعددة لمسار السرد؛ نحن بصدد رؤى حلمية، أو عجائبية، أو بصدد عالم واقعي يعتمد اللغة الشعرية أو حالة من حالات الفصام، خصوصًا وأن دوستويفسكي يواصل التلاعب؛ فقد جعل جولدياكين يدرك أنه ليس في عالم الرؤى والأحلام، بل في مسكنه بالطابق الثالث من عمارة كبيرة بشارع "الدكاكين الستة" لكنه "عاد يُغمض عينيه، كأنه يأسف على رؤى حلمه الأخير ويتمنى أن يرتد إليها".

لا يذهب جولدياكين إلى العمل كما يُفترض، لأن هناك ترتيبًا مبيتًا مع خادمه بتروشكا. كان بتروشكا يتهيأ لمصاحبة سيده إلى مناسبة ما، تأنق على طريقته وجاء ليساعد سيده على ارتداء ملابسه، وصارا جاهزين في ملابس ذات أبهة هزلية مستأجرة من أجل مناسبة ما، وسرعان ما يُعلمه الخادم بوصول العربة المزدانة بأشرعة الشرف والنسب.

تنطلق العربة بجولدياكين وبتروشكا في ذلك الوقت المبكر، يرى اثنين من موظفي رتبته سائرين في الشارع فيستغربان المشهد، يرى رئيسه في عربة أخرى فيحاول الاختفاء منه، لكنه يعود ليتمسك بحقه باستئجار عربة فاخرة. في الطريق يقرر فجأة زيارة كريستيان إيفانوفتش روتنشبتس "الدكتور في الطب والجراحة" ويدور حديث يبدو عاديًا في البداية، لكننا لا نلبث أن نفهم أن جولدياكين يعاني من مرض ما، يشكو من اضطهاد ومؤامرات غريبة تحاك ضده. لا يكشف السرد عن مرضه بوضوح، فالحوار مصاغ برهافة شديدة.

نصحه طبيبه بالالتزام بتناول دوائه وبمخالطة الناس. ثم عاد جولدياكين إلى العربة ليستأنف طريقه، يقضي النهار في التسكع بين المتاجر الفخمة، ثم يتوجه إلى عيد ميلاد كلارا أوليسيفنا، البنت الوحيدة لمستشار الدولة بيرينديف، الذي كان في الماضي حاميًا لجولدياكين. يطرده البوابون، ويعود إلى العربة مخزِّيا، ولكنه في الطريق يتوقف. يمنح السائق أجره، ويطلب من "خادمه المخلص" العودة إلى البيت، بينما يتناول عشاءه في حانة صغيرة، ويعاود الكَرَّة، وينجح في التسلل إلى الحفل.

بعد مواقف محرجة أثناء السهرة يُلقى به خارجًا. وتحت عاصفة ثلجية في طريق عودته يسمع خطوات خلفه، يلتفت فيجد نفسه في مواجهة شخص آخر يشبهه، يتوقف ويتبادلان النظرات، ثم يستأنف طريقه فيسمع ذات الخطوات خلفه، وما يلبث "المثل" أن يسبقه ويقرع الجرس، ويعبر أمامه إلى غرفته دون أن يبدي الخادم بتروشكا أي استغراب.

في تلك اللحظة تبدأ مأساة جولدياكين الأصلي مع شبيهه الذي سيُعين في ذات المصلحة، ويجلس على الجهة الأخرى من ذات الطاولة، وسرعان ما يحتل بالتملق مكانة جولدياكين عند رؤسائه، ويوقعه في مواقف شديدة الإحراج في أي مكان يذهب إليه.

السرد متوتر ومشوق، كما أن ظهور القرين مقنع ومؤسس له فنيًا بشكل مبهر. زيارة الطبيب، رغم غموض تخصصه، توحي بمرض ما. مولد الشبيه تحت وحشة الظلام والصمت والضباب على شاطئ النهر تحيل القارئ إلى أسطورة القرين من الجن، وبصعوبة يمكن أن ينصرف ذهن القارئ نحو الفصام، فردود فعل الآخرين التي تتراوح بين المسايرة والزجر توحي أحيانًا بأن القرين موجود بالفعل وأحيانا تشي بأنهم مطلعون على الحالة المرضية التي يعاني منها جولدياكين.

ومع هذا الإتقان في البناء، فالرواية مفعمة بالمعنى؛ بالإشارات الخفية التي تصنع عظمة الفن في كل زمان ومكان.

وأول ما يمكن التوقف عنده في المِثْل أنها كانت تأسيسًا للسمة الأبرز على الإطلاق في كتابة دوستويفسكي، فيما عُرف فيما بعد بـ "إنسان الهوتين" وهي قدرة شخصياته على الجمع بين الحدود القصوى من القيم والأفعال المتناقضة: الخير/ الشر. الإيمان/ الإلحاد. الكرامة/ الضعة. الاحترام/ الاحتقار.

شخصيات دوستويفسكي في رواياته الأخرى تحمل المتناقضات وتتعايش معها داخل جسد واحد، لكن جولدياكين، المثال الأول لإنسان الحفرتين، هو شخص مزدوج انقسم على جسدين. شخصه الأصلي يتطلع إلى الكرامة والاحترام، ولديه قرين غارق في أقصى قاع الضعة والانحطاط.

هذه الرواية واحدة من أكثر حبكات دوستويفسكي وحبكات الأدب إحكامًا على مر التاريخ، حيث حافظت على شغف القارئ حتى النهاية عبر دقة الإيهام المحسوبة التي تجعل القارئ حتى النهاية غير متيقن إن كانت أزمة جولدياكين الطيب تتعلق بشبيه إنسي أو قرين من الجن أو أنه يعاني من الفصام.

وإضافة لفكرة البندول أو إنسان الهوتين، يذهب نقاد دوستويفسكي المتأخرون إلى اعتبار الرواية تجليًا للسؤال الفلسفي حول الوجود الأخلاقي للفرد، وموقعه من المجتمع. جولدياكين المنحط هو الذي يحظى بالإعجاب للأسف.

في الاستقبال الأول للرواية، ومن باب استهجانها، أشار النقاد إلى ظل جوجول في المعطف والأنف. بؤس موظف المعطف وخيالية الأنف الذي راح يتضخم حتى صار شخصًا. ولم ينتبهوا إلى أن الصلة الأهم لهذه الرواية هي صلتها مع دون كيخوتة.

في إحدى رسائله إلى صديق يعتبر دوستويفسكي دون كيخوتة أعظم كتاب بعد الكتاب المقدس. ولابد أن يذكرنا جولدياكين وخادمه بتروشكا، ببطل سرفانتس دون كيخوتة وتابعه سانشو.

جولدياكن يسكن غرفة، لكنه يتصرف كالعظماء، ويستخدم خادمًا يقتسم معه غرفته بستارة، ما يذكرنا بإقامة الشريف العبقري مع سانشو في النزل الرخيصة، خلال حملته الفكاهية.

شخصية جولدياكن تشبه بشكل واضح شخصية دون كيخوتة؛ في المنطقة الضبابية بين العقل والجنون. والتابع بتروشكا يشبه سانشو الذي يدرك حماقة سيده ويجاريه من باب التفكه. الزي الذي ارتداه بتروشكا في ذلك الصباح مستأجر، وهو زي فكاهي لا يختلف عن زي سانشو: بدلة مهلهلة وقبعة مزدانة بشرائط مذهبة وريش خضراء، وعلى فخذه تدلى سيف له غمد من جلد، بقدمين حافيتين. وبعد أن ارتدى ملابس البهلوان تلك، شرع مبتسمًا في مساعدة سيده على ارتداء ملابسه البائسة المستأجرة هي الأخرى، وعندما جاءت العربة تبادل نظرات ساخرة مع الحوذي.

تبدو قضيته جولدياكن في الظاهر أبسط كثيرًا من قضية دون كيخوتة؛ فهو لا يتنطع لرفع الظلم عن ضعفاء الأرض، بل يدافع عن حقه هو في ألا يُعامله الآخرون كما لو كان كخرقة.

وفي حقيقة الأمر؛ فإن حِمْل هذا البطل ليس أقل ثقلاً من حمل فارس سرفانتس. وهذه السهولة التي ظهر بها القرين واستيلائه على وجوده، ليست هذيانًا صرفًا، بل هو شأن جاد يتعلق بالكينونة وحق الإنسان، مهما كان فقيرًا أو ضعيفًا، في أن يكون له وجوده المميز وكرامته. ونصف شخصيات دوستويفسكي على الأقل تناضل من أجل هذا الحق.

لم تكن المثِل بعيدة عن الفقراء كما تصور بلينسكي، بل كانت شديدة القرب منها، لأنها أكملت معها التأسيس لملامح عالم دوستويفسكي الفني والفكري المتماسك والمنسجم على نحو مذهل، ومن هذه الملامح:

تضامن الضعفاء وتبادلهم الشفقة والإحسان فيما بينهم. وعندما تكون مواردهم شحيحة إلى حد العوز يصبح الإحسان تضحية. وهذا هو جوهر ما يفعله ماكار دييفوشكين وفرفارا دوبروزيولوفا بطلا الفقراء.

الإحسان هو الوجه الآخر للإهانة. والبعض يقدم إحسانه خصيصًا لإيقاع الإهانة بمن يحسن إليهم، وهذا ما فعلته قريبة فارفارا التي استضافتها هي وأمها بقصد إهانتهما وتأكيد تفوقها. وحتى لو لم يقصد المحسن إهانة من يحسن إليه، سرعان ما يحس الشخص محل الشفقة بالألم وثقل الدين.

الخجل من الوجود أمام الإحساس بالعجز، عجز الفقير عن الخروج من فقره، عجز السكير عن الإقلاع عن سكره، حتى عجز المريض عن الشفاء يثير حنقه، ويترجم هذا الخجل من الوجود إلى رغبة في الاختفاء.

افتقاد الحب. وبمعنى أوضح غياب الرغبة الحسية بين الرجل والمرأة. لا يمكن أن نعثر على قبلة واحدة في روايات وقصص دوستويفسكي، كأن الشفاه لم تكن قد اختُرعت بعد، وفي المقابل لدينا الكثير من الأحضان الدامعة.

تمجيد الألم واستعذابه، بل وإكباره إلى حد العبادة، وهذا ما نراه في الركوع الحزين الذي يتبادله المحبون.


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.