تصميم: يوسف أيمن- المنصة

طاولة المقامر وشياطينه| قيام وانهيار دوستويفسكي

في حدود علمي، ليست هناك ولادة أدبية أغرب من ولادة فيودور دوستويفسكي*.

تُجمع الكتب التي تناولت سيرته وكتب التاريخ الأدبي على أن بدايته كانت عام 1844، وكان استقال لتوه من عمله ضابطًا مهندسًا، واستأجر مع الكاتب ديمتري جريجوروفيتش منزلاً أقاما فيه معًا. كان ديمتري بدأ يحظى ببعض الشهرة، بينما يبدأ دوستويفسكي كتابة أولى رواياته الفقراء، وعندما انتهى منها في مايو/ أيار ،1845 سهر على قراءتها مع صديقه، الذي حملها في الليلة التالية إلى الشاعر نيكولاي نيكراسوف، وقرأها معه بصوت عال مرة أخرى، وفي اللحظة التي انتهيا فيها من القراءة هرولا إلى دوستويفسكي.

سمع طرقات على باب غرفته في الرابعة فجر الليلة ذاتها. فتح الباب بين مستيقظ ونائم ووجد نفسه في مواجهة زميل السكن جريجوروفيتش ونيكراسوف الذي احتضنه وهنأه على تحفته الفنية. وفي اليوم ذاته مرر الشاعر الكبير المخطوط إلى ناقد روسيا الأكبر فيساريون بلينسكي مؤكدًا له أن الرواية تنبئ عن مولد جوجول جديد، فأجابه بلينسكي ساخرًا "معك يتكاثر جوجول مثل الفطر". بعد ثلاثة أيام ذهب دوستويفسكي إلى بيلينيسكي (ربما أرسل الناقد الكبير في طلبه بعد أن قرأ) وعندما رآه سأله "هل أنت، أنت نفسك تدرك قيمة ما كتبت؟".

وأثبت بيلينسكي أن ما قاله لدوستويفسكي لم يكن إفراطًا عاطفيًا يغدقه ناقد على كاتب في حديث شخصي لن يطلع عليه أحد، بل كتب عنه بعد ذلك "المجد والشرف للشاعر الشاب الذي تحبُ آلهةُ وحيِه سكانَ السقوف والأقبية وتقول عنهم لأصحاب القصور المذهبة: هؤلاء بشر أيضًا، هؤلاء أخوتكم". (سكان السقوف، سكان العليات الهرمية، غرف السطوح).

بعد مقال بلينسكي صار دوستويفسكي نجمًا أدبيًا تتسابق صالونات المجتمع الراقي والحلقات الأدبية في بطرسبرج على استضافته، ويسعى الأدباء إلى صداقته على الرغم من أن روايته لم تُطبع بعد ولم يطلع على مخطوطها إلا أولئك الثلاثة.

واقعة حقيقية، تجعلنا نفكر في ظاهرة "الكاتب الشائعة"، التي تصيب مرة وتخطئ عشرات المرات. وهي ظاهرة عالمية، تتضخم في غياب المعايير النقدية في ظل الاستبداد، سواءً كان استبدادًا عامًا يطبع الثقافة بطابعه أو استبدادًا ثقافيًا فحسب بسبب سيطرة تيار أو جماعة أدبية تحجب المختلف.

ومثلما كان استقبال الفقراء الفرح الأول المكتمل الذي لا يُعلى عليه، كان استقبال المِثل الرواية الثانية هو الإحباط الأكبر الذي لم يفارق الكاتب الحساس طوال حياته.

غلاف رواية المِثل- طبعة دار بارنز ونوبل

خلال أشهر الزهو، استطاع دوستويفسكي أن يكتب روايته المِثْل وفي رسالة إلى شقيقه ميخائيل مؤرخة في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1845، يصف حالة الحفاوة به و"لكن يا أخي لا أعتقد أن شهرتي ستبلغ في أي زمن مثل ما هي عليه الآن. احترام بالغ في كل مكان، وفضول شديد بخصوصي. تعرفت على عدد من أحسن الناس خلقًا. الأمير أودويفسكي يرجوني أن أسعده بزيارة، والكونت سولوجوب ينشب أظفاره في شعره من اليأس والقنوط، فقد أبلغه بانايف بوجود كاتب موهوب سيفوقهم جميعًا"، مع ذلك أبدى تساؤله في الرسالة ذاتها ما إذا كانت هذه الأرستقراطية تريد تدميره بملاطفاتها الممجوجة "الجميع يستقبلونني وكأنني أعجوبة. لا أتفوه بكلمة إلا وأجد أصداءها في الأنحاء. قال دوستويفسكي كذا ويريد أن يفعل كذا".

لكن الناقد الذي رفعه إلى السماء يهبط به إلى سابع أرض. قرأ مخطوط الرواية الجديدة وقال عنها إنها قصة خيالية، وما هو خيالي فلا مكان له إلا في مصحات الأمراض العقلية. وأصابت الرصاصةُ القلبَ من الكاتب.

ومثلما سار الآخرون وراء بلينسكي عندما أطلق رصاصة الابتهاج، مضوا خلفه موجهين رصاصات القتل لدوستويفسكي. تبددت الحفاوة وانقطعت الدعوات وانطلقت النميمة في الصالونات والتجمعات الأدبية التي كان نجمها المفضل، بشكل وصل إلى حد السخرية من مرض الصرع الذي يعانيه، ووجهت له أوصاف بذيئة من قبيل "شبه رجل".

حتى نكراسوف الذي أشعلت الفقراء حماسته نظم مع تورجنيف، قصيدة يهجوان فيها دوستويفسكي متفكهين هازئين. وإن كان لنا أن ندقق في شروخ النفس البشرية على طريقة دوستويفسكي نفسه، يمكننا أن نفهم كيف وجد نكراسوف في الهجوم على المثل فرصة للتراجع عن إعجابه اللا مشروط الذي منحه لدوستويفسكي على الفقراء مساهمًا في شهرته الكاسحة.

حالة المرياع والقطيع، حالة يعرفها الأدب والفن، حالة عالمية (المرياع: الكبش الضخم الذي يُربى لقيادة الأغنام بجرس يجلجل في رقبته) تناول باتريك زوسكيند حالة القطيع النقدي في قصة ساخرة مشهورة بعنوان هوس العمق لا أملُّ الإشارة إليها. وتحكي عن رسَّامة أقامت معرضها الأول، ويشاء حظها العاثر أن يزور المعرض ناقد كبير، ويدلي بتعليق "فنانة واعدة لكن ينقصها بعض العمق" وأخذ حكم الناقد الكبير يتردد في التقارير والأخبار عن المعرض حتى سقطت الفنانة في الاكتئاب وأقدمت على الانتحار، وغطت الصحافة واقعة انتحار "فنانة كانت واعدة ولكن ينقصها بعض العمق".

حالة بلينسكي فاقت خيال زوسكيند، لأنه أخذ قطيعه إلى اتجاه وعكسه بفارق عدة أشهر ودون أن تكون الروايتان مطبوعتين ومتاحتين لعموم القراء. ومن حسن حظ الإنسانية أن دوستويفسكي لم ينتحر، لكن تزايدت نوبات صرعه، وأصبح مزاجه أكثر سوداوية عما هو عليه في الواقع.

رأت الروايتان النور في التوقيت ذاته تقريبًا، حيث نشرت الفقراء في عدد يناير/كانون الثاني من مجلة حوليات الوطن عام 1846 وفي عدد فبراير/شباط نُشرت المِثْل. وكان كاتبهما قد قام وانهار قبل أن تريا النور، حتى أن ثلاثة أرباع ما كُتب من نقد حول الفقراء جاء ضدها تأثرًا بأسهم كاتبها في بورصة النقد.

حاول دوستويفسكي إعادة توازنه وتقديم نفسه مجددًا بكتابة أعمال قصيرة لم تنجح في إنقاذ مكانته الأدبية.

ويبدو أن هذا ما دفع بلينسكي أن يخفف بقلمه من أثر سوط لسانه؛ فكتب مقالًا بعد نشر المِثل أبرز فيه الدلالات الاجتماعية للرواية، وقال إنه رأى فيها من الموهبة الخالقة وعمق الفكر ما لم يره في الفقراء وكتضميد إضافي لجرح الكاتب المأزوم راهن بلينسكي على موهبته مجددًا "ستظهر أثناء حياته مواهب كثيرة تعارضه، لكن هذه المواهب كلها سيطويها النسيان، أما موهبته فتظل في ذروة المجد"، وبعد عام عاود الناقد الكبير الكتابة عن الرواية، منسحبًا من رهانه، آخذًا على الرواية طابعها الخيالي وغموض الحبكة والإسهاب والتكرار.

لوحة للتشكيلي الروسي بوكروفسكي، تصف إعدام ديستويفسكي قبل إعلان القيصر العفو عنه في اللحظة الأخيرة

لم تعد هناك قوة تستطيع إعادة الطلقة إلى السلاح الذي أطلقها. توضح مراسلات دوستويفسكي ويومياته، أن المِثْل ظلت هاجسًا وندبة تؤلمه كلما تحسسها. ظل متأرجحًا كالبندول بين التماسك استنادًا إلى حسه الخاص بأنه حقق فيها ذروة من ذرى الكتابة وبين الرضوخ للاستقبال النقدي الذي يحط من قدرها، حتى أنه شرع في إعادة كتابتها بعد غياب عشر سنوات في السجن، ثم تراجع واكتفى ببعض التنقيحات.

وحسنًا فعل؛ إذ تدل المسودات العائدة إلى الفترة من 1861 إلى 1864 أنه كان يريد أن يجعل من بطلها جوليادكين واحدًا من أنصار الاشتراكية ينضم إلى حلقة بتراشفسكي ويطمح إلى قيادة ثورة، ويجعل من جوليادكين المضاد جاسوسًا يبلغ عن الحلقة، وهو ما حدث في الواقع، إذ أبلغ جاسوس بولندي عنها وتسبب في الحكم بالإعدام على أعضائها رميًا بالرصاص، وبينهم دوستويفسكي عام 1846، وفي يوم التنفيذ أُخرج المتهمون في مجموعات من ثلاثة متهمين، وأوثقت المجموعة الأولى في أعمدة وفي لحظة التصويب ظهر فارس يحمل مرسومًا من القيصر بتخفيف الحكم إلى السجن، ويقال إنها كانت تمثيلية حبكها القيصر إذ أبقى مرسوم التخفيف سريًا حتى اللحظة الأخيرة، لكي يلقِّن هؤلاء الشباب درسًا.

ألقى هول الواقعة ببصمة لم تُمحى على نفس دوستويفسكي، وظلت تطل في إبداعه اللاحق، مثلما لازمته لعنة الِمثل التي تبدو مستمرة حتى اليوم؛ فالرواية لم تزل أقل شهرة حتى من أعمال صغيرة وبسيطة كـالليالي البيضاء.

إنها سطوة تاريخية لشائعة ضد رواية من أكثر روايات دوستويفسكي حساسية وإحكامًا، إذا ما تجنبنا أفعل التفضيل المطلق، وهي واحدة من الروايات التي توفر متعة الحكاية بنعومة مذهلة.


  • اعتمد هذا المقال بصورة أساسية على تقديم الدكتور سامي الدروبي لترجمته أعمال دوستويفسكي، كتاب دوستويفسكي، الذي يضم مقالات لعدد من الكتاب تحرير وتقديم رينيه ويليك، ترجمة نجيب المانع. الرسائل ترجمة خيري الضامن.

    للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.