تصميم: يوسف أيمن - المنصة

البحث عن "الفقرة السمراء": كدا كدا يا تريللا وأشياء أخرى

في حفلة عيد الطفولة بمدرستي الابتدائية سألتني المُدرِّسة بأمل ورجاء إذا ما كنت أستطيع الرقص على أنغام أغنية نوبية أمام فصول أخرى بدون كسوف. لا أعلم لماذا وافقت، عَرَضَت المُدرِّسة الأمر على البنات فتحمست زميلة كان لديها شامة على خدها، فتاة صغيرة متحمسة مندفعة ولديها شامة تريد أن تصاحب فتىً أسمرَ سمينًا للرقص على أنغام أغنية نوبية في الفصول المجاورة لفصلها.

في تلك الفترة لم يكن محمد منير غنى بعد نعناع الجنينة، ولا ستونة ومحمد هنيدي غنّيا شيكولاتة، كانت الأغنية النوبية الرسمية في ذلك الوقت هي كدا كدا يا تريلا.

أتذكر يوم إذاعتها للمرة الأولى في برنامج صباح الخير يا مصر، أيقظني والدي لأسمع وأرى المعجزة على شاشة التلفزيون، أستيقظ في السابعة صباحا منبهرًا منصتًا لـ كدا كدا يا تريلا في أهم برنامج يومي في مصر وقتها.

الأغنية كانت للراحل المقيم عبد الرزاق محمد الشهير بفيكا وكانت ضمن شريط يسمي فيكا 92، الشريط بكامله كان بتوزيع عازف الأورج أحمد أستيكة، وكانت هناك طرفة رائجة أنه سُمّي بأستيكة لأنه سيمسح كلَّ عازفي الأورج في جيله.

في أغنية كدا كدا يا تريلا يوجد كوبليه يمس شغاف قلب طفل لا يعرف عن الرقص النوبي سوي مرجحة الأيدي للخلف والوراء، كوبليه يطمئنه على هويته حتى ولو لم يتمكن من إتقان اللغة أو إجادة الرقص. يقول فيكا "يرقص عشرة بلدي عامل فيها مصري لكن ما هو مصري ده نوبي أصلي".


قمت بالغناء والرقص بمصاحبة الفتاة المندفعة، نذهب من فصل إلى آخر، تحمل المُدرِّسة "كاسيت" ببطارية بداخله شريط كوكتيل به الأغنية، التي تبدأ فتبدأ معها الفقرة المنتظرة، تمسك الزميلة بيدي لأمرجحها للأمام والخلف، حاولت التملص لفعل حركات أخرى متنوعة ولكن بلا جدوي، تصر الزميلة على الالتزام بالحركة النوبية الرسمية بلا أي مساحة للتجريب.

تنتهي الأغنية وننتقل لفصل آخر وفي خلال هذا الوقت ترجع المُدرِّسة الشريط لتبدأ الأغنية من البداية. بعد فصلين أو ثلاثة اختصر الوقت وأصبحت الأغنية تكفي ثلاثة فصول؛ نمرجح يدينا لنصف دقيقة على مدخل الفصل أمام الطلبة ثم ننتقل مسرعين لباب الفصل التالي نوزع كسوفنا ومرجحة أيدينا وكدا كدا يا تريلا، إلى أن انتهت أعياد الطفولة بعرض نوبي أصلي وخجل استمر لسنوات.

بداية الفقرة السمراء

البحث عن الفقرة السمراء في الحفل بدأ قديمًا، ربما عندما ألقى الفنان السوداني سيد خليفة قنبلة انفجرت ولم تهدأ، بظهوره في فيلم تمر حنة مع رشدي أباظة وفايزة أحمد ليتلو علينا أغنيته الشهيرة المامبو السوداني. سيد خليفة بدأ لونًا من الغناء الأسمر يتناسب مع أصحاب المزاج الشرقي، لون يمكن إعادة تدويره واستخدامه في الحفلات والأفراح التي تبحث عن "فقرة سمراء" ضمن فقرات الفرح، فقرة راقصة تتوه بين النوبي والإفريقي والسوداني، فقرة تحمل ضحكًا وحماسة مفتعلة تنتهي عندما تتوقف الموسيقى وتبدأ الفقرة الصعيدية أو الخليجية التالية.

هذا الطريق الذي بدأه السيد خليفة سار عليه كثيرون لاحقًا شهدناهم في حياتنا؛ الفنانة جواهر أنتجت أغانٍ مثل حبيبي يا أسمريكا وحمادة، ساهم الفنان حسن عبد المجيد بـ سميرة سميرة، شيرين عبد الوهاب وأحمد حلمي لديهما رائعتهما الخاصة أفريقيا، أو كما تعرف بـ "يا كانو يا ميلا إحنا وقعنا في ستين نيلة"، وأخيرًا وليس آخرًا الفنان صادق بخالدة الذكر الله عليك يا ولد في ألبوم هاي كواليتي 7.

في مسابقات الغناء المختلفة عندما أرى متسابقًا من السودان، أعلم أن الفقرة ستختم بشيء لسيد خليفة، أغنية أودع كيف اختيار ممتاز خصوصًا إذا صاحبت الختام مجموعة الراقصين، وإذا لم تنجح فالمامبو السوداني موجودة تستطيع أي مطربة شامية بلجنة التحكيم الرقص عليها وترديد بعض كلماتها.

عند تعرفّك على أغاني السيد خليفة تظن أنه يصنع أغانٍ ليتم إعادة توزيعها وغنائها بواسطة أخرين ولا تقل روعة عن الأصل، كأنها "أغانٍ مفتوحة المصدر" open source. فالرجل له أغنية تسمى أنشودة الجن، بألحان راقصة كعادة ألحانه، رقص ودلع على أنشودة جن كلماتها ومعانيها غامضة.

قم يا طرير* الشباب
غني لنا غني
يا حلو يا مستطاب
أنشودة الجنِّ

سمعت لها توزيعًا مختلفًا بأداء الفريق السوداني العدمي سودانيز باند. توزيع قلق حائر متردد، مناسب لأناشيد الجن.


كانت ستصبح علامة فارقة إذا بدأ انتشار سيد خليفة بأنشودة الجن وتخيلنا رشدي أباظة في فيلم تمر حنة شابًا طريرًا يزيل وشمًا بماء نار.

الرقص في الأفراح على أنشودة الجن يذكرني بالرقص علي أغنية شهيرة للفنان النور جيلاني. النور جيلاني مطرب سوداني محب للطبيعة، تعريف جميل لمطرب أجمل، لديه شريط انتشر كالنار في الهشيم في نهاية التسعينات بين أوساط النوبيين في مصر يدعي خواطر فيل، خواطر فيل هي الأغنية الرئيسية في الشريط تتحدث عن فيل وقع في الأسر في براري إفريقيا، فجلس بائسًا يتلو أحزانه.

الأغنية كانت تُغنَّى في الأفراح ويرقص عليها بانسجام ويغازل بها الرجال النساء بلسان فيل حبيس.


تزامنًا مع شريط خواطر فيل اشتهر شريط سوداني آخر لفنان يدعي حسن عبد العزيز، شريط كان يحمل عنوان أودع كيف، مجموعة من إعادات التوزيع لأغانٍ سودانية شهيرة. صوت حسن عبد العزيز في الشريط كان خلفية موسيقية لجيل كامل، جيل كانت طموحات فتياته شراء شنطة بلون جملي من محل بركات بمحطة الرمل بالاسكندرية والاندماج مع أغاني شريط أودع كيف اثناء كي تايير لارتدائه في حفل زفاف ليلي بأحد مسارح المدينة المندثرة.

في الشريط أغنية تحت عنوان يا شباب العصر تبدأ بـ "يا شباب العصر همو العرس لازم نتمه" دعوة مفتوحة بصوت حسن عبد العزيز العذب للشباب المتردد أن يبادر بالارتباط بصاحبة التايير المكوي التي تحمل شنطة لونها جملي. برغم كل هذه النوايا الحسنة للأغنية لم تكن هي الأبرز في الشريط بل كانت خالدة الذكر الساعة خمسة أو في قول آخر "الليلة مسافر"، أغنية في الأصل للفنان نادر خضر الذي لم يعلم وهو يؤديها للمرة الأولى أنه صنع إحدى أشهر وأنجح الأغاني السودانية التي سيعاد غنائها وترديدها بلا توقف حتى الآن.

في التسعينيات كان عازف الأورج السوداني عبد العال صلاح يصنع ثنائيةً عظيمةً مع الفنان نادر خضر، وفيديو حفلة جامعة أم درمان الأهلية سنة 1996 شاهد على ذلك، يغني نادر خضر أغنيته الشهيرة الساعة خمسة بعزف عبد العال صلاح، يصنع عبد العال دخلة موسيقية متدرجة في الحماسة حتى تنفجر مع دخول نادر بالجملة التي ستتكرر في الأفراح والحفلات لسنوات بلا انقطاع "الساعة خمسة يا حبيب ما تنسى".

في بعض لحظات التجلي تتحول جملة "يا حبيب ما تنسى" إلى "يا الحبيب ما تنسى"، لتعلم أن نشوته وصلت للذروة. الحبيب المعروف بجماله خير من حبيب متخيل مجهول منتظر مجيئه.


في الفرق الموسيقية النوبية الصدارة كانت لعازف الإيقاع، يجلس أفراد الفرقة في الأفراح على شكل هلال، يبدأ الهلال بعازف الإيقاع، هو من يعطي الطاقة والقوة للمطرب وللأداء بشكل عام، إذا تعب عازف الإيقاع أو سرح يهبط أداء الفرقة بشكل عام ويترهل الفرح.

في لقاء قديم بتلفزيون الكويت مع المطرب السوداني عبد العزيز داؤود قال إنه دائمًا ما يمسك بعلبة ثقاب بيده أثناء الغناء، يضرب بأصابعه عليها ليضبط إيقاع غنائه، ويضبط معه شهوته للانطلاق ويلتزم بالنسق ويخلق الأداء الذي لا ينسى لأغانيه.

يُحيي الفرح عدة مطربين قلَّ عددهم مع مرور الزمن وزيادة طول الوصلة الغنائية التي قد تصل إلى ساعة. أين عازف الإيقاع الذي يعطيك ساعة بنفس القوة بلا انقطاع؟ هكذا ظهر الأورج ليعطيك ما تشاء، كل أصوات الآلات الموسيقية يمكن أن تستخرجها من الأورج، ومن هنا بدأ عصر جديد؛ عصر ملوك الأورج.

صعود عازف الأورج في المشهد الموسيقي النوبي بدأ مع أحمد أستيكة الذي تحول من عازف مهم في فرقة الفنان علي كوبان إلى أبرز موزع موسيقي للأغاني النوبية طوال فترة التسعينيات وحتى بدايات الألفية. ثنائية عبد العال صلاح ونادر خضر كانت في الأداء الحي، في تعلق الجماهير بعزف الأول وصوت الثاني بينما أستيكة كان نجم الكواليس.


اقرأ أيضًا: محمد منير: ملاحظة دخيلة على السياق

منير في حفل خاص على سفح أهرام الجيزة.  الصورة: Carlos Affonso - فليكر. برخصة المشاع الإبداعي.

أغلفة الشرائط كانت تحمل أسماء الشعراء والملحنين ثم في الختام تجد بفونت واضح (توزيع موسيقي/ رؤية فنية أحمد أستيكة)، يشبه ألبومات منير في فترة التعاون مع يحيي خليل، تجد أن عمود الموزعين اختفى وظهرت مكانه عبارة (توزيع موسيقي: فرقة يحيي خليل)، لم يفضل أستيكة الأداء الحي على المسرح ولهذا تحورت الثنائية في مصر إلى العازف/ المؤدي في استعراض للرجل الواحد (One man show)؛ عازف أورج ومطرب في نفس الوقت، بدأت في مصر مع فيكا وانفجرت مع محمد فوزي أو الإمبراطور كما يطلق عليه دراويشه.

فوزي وفيكا كانو نجومًا جوالين يغلبون من لا يتجول مثلهم، ولكن هذا حديثًا آخر.


* الطرير هو الشاب الوسيم البريء.