الرئيس السيسي خلال إحدى جولاته التفقدية- الصورة: الصفحة الرسمية للرئيس

عندما قابلت الرئيس ولم أبع له الموز

بائع الفاكهة الذي مر عليه الرئيس صدفة واشترى منه الموز في مارس/آذار الماضي، محظوظ بالتأكيد، فالرجل لم يسعَ إلى مقابلة الرئيس كما فعل آخرون، بل على العكس منهم لم تذكر الصحف التي تناقلت واقعة لقائه بالرئيس أنه طلب لنفسه شيئًا أو عرض واحدة من مشاكله، كل الذي سعت لإبرازه أنه يمكن للرئيس أن يقابل أي مواطن في الشارع.

يعلم المواطن العادي، وأنا معه، أنه ليس من السهل مقابلة الرئيس أو الوصول إليه في محيط ما يفتتحه من مشروعات أو ما يتفقده من مناطق، لكن الصحف تقول غير ذلك، فمع كل جولة ميدانية يقوم بها الرئيس، تنشق الأرض عن مواطن يلقاه ويعرض عليه مشكلته فيعده الرئيس بحلها، مثل تلك العجوز المحظوظة التي قابلت السيسي، ووصفتها صحيفة الوطن بأنها "غلبت عليها الفطرة فاستقبلت صدفتها بالرئيس" أنها قالت له "أنا عيني تعبانة ورحت مستشفى رفضوا يعالجوني ونفسي تعالجني، ليرد الرئيس وقد سبقت الابتسامة حديثه عيني يا أمي" لتنهي الصحيفة خبر الواقعة بـ"صدرت التوجيهات العاجلة بتلبية احتياجات المواطنة، وتذليل العقبات لراحتها وعلاجها على نفقة الدولة".

في الحقيقة ليس مطلوبًا من رئيس الجمهورية أن يقابل جميع المصريين ليستمع إلى مطالبهم أو مشاكلهم، فهناك قنوات أخرى تلك وظيفتها، مثل المجالس المحلية أو المحاكم وغيرها من القنوات التي من شأنها أن تحل مشاكل المواطنين، لكن تلك القنوات لا تؤدي دورها الكامل فيما يبدو، حيث تمتلئ صفحات الرئاسة ومجلس الوزراء على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة بتعليقات متعددة لمواطنين يستغيثون بالرئيس السيسي لحل مشكلة قد تكون مرة إصلاح ماسورة مياه مكسورة ومرة رئيس متعنت في العمل.

ومثلهم فعلت، فمنذ إلقاء القبض على زوجي طبيب الأسنان وليد شوقي في أكتوبر/تشرين الأول 2018، بدأت ومحاموه في طرق المسارات الطبيعية وقدمنا أكثر من بلاغ ومناشدة للنائب العام، ولمّا أسفرت كلها عن لا شيء، خاطبت رئاسة الجمهورية بالصيغ الممكنة كلها، بلاغ ومناشدة وخطاب، أشرح فيها وضعه وأطلب إعادة النظر في قضيته، وكذلك كتبت رسائل مماثلة على الصفحة الرسمية لرئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية، ولم أكن وحدي، قام والد وليد بالأمر نفسه، لكننا لم نتلقَّ رد أيضًا، ولكن في خبر الوطن سالف الذكر استخدم الصحفي وصف "جبر الخواطر" لنعت أداء الرئيس خلال لقاءه بالمواطنين، فهل يجبر بخاطري إن قابلته؟

أتخيل نفسي أمرُّ بالصدفة بالقرب من الموكب الرئاسي، فيسمح لي المسؤولون عن حراسته بالتحدث معه، أتلعثم لبضع ثوانٍ لا أعرف ماذا سأقول ومن أين أبدأ. حسنًا؛ سأقول إن زوجي طبيب أسنان انشغل في بداية حياته بالسياسة، وانضم لإحدى الحركات الشبابية التي كان يرغب في التعبير من خلالها وتحت مظلتها عن رأيه، سأخبره أنني أعلم أنه كرئيس للدولة يختلف كثيرًا مع أعضاء الحركة التي ينتمي إليها زوجي، ولكن لا تقام الدول بالرأي الواحد، لا بد من رأي معارض، سلاحه السلمية في التعبير عن الرأي، ليكون هناك الرأي والرأي الآخر.

لا أعرف إن كان سيستمر الرئيس في إنصاته إليَّ أم لا، ولكني سأخبره أن زوجي ترك العمل السياسي من 2017 بعد أن رزقنا الله بابنتنا نور، ومنذ ذلك الوقت لم تظهر الحركات السياسية التي تلقب بالمعارضة على الساحة، فخمدت جميع الأنشطة من حينها.

سيدي الرئيس لا أريد ميزة أو منحة أو قرضًا ماليًا، كل ما أريده تطبيق القانون الذي تتحدث عنه دومًا، معاقبة شخص على جريمة لم يرتكبها مخالف للقانون، واتهام الشخص بتهم لم يفعلها أيضا مخالف للعدالة التي تسعى الدولة لتحقيقها.

عند هذه اللحظة، سيطالبني، بالتأكيد، أحد المسؤولين عن تأمين بالموكب بالانصراف، ولكن الرئيس سيطلب منه أن يتركني لاستكمال حديثي كما فعل مع غيري من سعداء الحظ الذين قابلوه في الطرقات صدفة؛ سأخبره أن زوجي حُبس على ذمة اتهامات "نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية" لمدة سنتين دون محاكمة، ثم صدر قرار بإخلاء سبيله، لكنه حُبس على ذمة قضية جديدة بنفس الاتهامات السابقة، وسيقترب من إتمام سنته الثالثة في محبسه دون تهمة حقيقة ودون محاكمة، سأكون أنانية بعض الشيء ولن أتحدث عن غيري ممن يمرون بحالات مشابهة. ربما سأكتفي بالإشارة إلى أن ما يحدث مع زوجي يتكرر مع آخرين.

سيدي الرئيس الأب، إن سمحت لي أن أناديك هكذا، تعرضت ابنتي منذ أيام لحادث على السلم، خمشتها قطة، كانت ترعى صغارها، هذا الحادث العادي، أورطني في أزمة، ماذا أفعل مع ابنتي لتكف عن البكاء وتهدأ، تعرف تركها أبوها إلى السجن في عمر سنة وشهرين، وبلغت الآن أربع سنوات، هل يحتاج جرحها إلى علاج؟ أين سأذهب بها في هذه الساعة؟ وكيف أطمأنها حتى لا يكون ذلك الحادث بداية لعقدة طويلة من كراهية الحيوانات؟

فقط لو كان أبوها هنا، لأحسن التصرف كما كان يفعل دائمًا، كان سيشرح لها الموقف ببساطة تناسب سنها، لتعرف أن القطة فعلت ذلك حماية لأطفالها، مثلما نحاول نحن أيضًا أن نحميها، ولكن والدها.. أو لكنها ممنوعة عن والدها يحجبها عنه حاجز من السلك في الزيارات التي تراه فيها لمدة عشرون دقيقة فقط، ولمرة واحدة شهريًا، بلباس السجن الأبيض، ويحجبه عنها السجن نفسه وعشرات الكيلو مترات خلال أيام الشهر المتبقية، عندما يتقابلان، يحاول أبوها الكلام بسرعة عن كل شيء يمكن له أن يبح به قبل انطلاق صافرة انتهاء اللقاء.

تخيل أنها تفهم أن أبيها يعمل وليس مسجونًا، لأنني أخبرها بعد انتهاء كل زيارة أنه لن يستطيع ترك عمله ليعود معنا إلى البيت، ربما صارت تشك في صدقي الأن، فلم تعد ترضيها تلك الإجابة المكررة عن أسباب غياب أبيها عن المنزل.

سيدي الرئيس، لو تسمح لي بكوب ماء، وإذا لم يتوفر، فقط سأخذ نفس عميق؛ طوال الوقت أبحث عن فرص عمل في أماكن مختلفة وأطلب من أصدقائي والمحيطين بي مساعدتي في البحث، لأصبح قادرة على سد احتياجات زيارات زوجي، التي تتكلف ما لا يقل عن 2000 جنيهًا أسبوعيًا، ذلك بالإضافة طبعًا إلى مسؤولية ابنتي، فبعد أن كنا نتقاسم المسؤوليات، أنا وهو، صار كل شيء من مهامي وحدي، وأخشى أن يستمر هذا الوضع كثيرًا، فتكبر ابنتي بحيث لا يمكن لها أن تصدق حيلتي البلهاء لإخفاء السبب الحقيقي في غياب وليد.

هل تعلم أنني أستيقظ من نومي ليلا أكثر من ثلاث مرات لأتأكد أن باب الشقة مغلق بإحكام، هذا الباب الذي يأوي خلفة أم وابنتها ينتظران عودة ثالثهما لتكتمل أحلامهم ويزول الخوف.

في محاولة اعتراض جديدة سيتدخل مسؤول آخر عن تأمين الموكب ليطلب مني الانصراف، وأظن حينها أنني سأنهي الحديث قائلة "سيدي الرئيس لا أريد ميزة أو منحة أو قرضًا ماليًا، كل ما أريده تطبيق القانون الذي تتحدث عنه دومًا، معاقبة شخص على جريمة لم يرتكبها مخالف للقانون، واتهام الشخص بتهم لم يفعلها أيضا مخالف للعدالة التي تسعى الدولة لتحقيقها"، هنا سيقاطعني الرئيس ويطلب من السائق ورقة وقلم ليدون رقم القضية والاسم ويعدني بالحل، ثم تنطلق سيارته وتتوقف بعد عدة أمتار، ليلتقي بمواطن جديد، يحاول إيصال مظلمته مثلي.

عندما أعود للمنزل سأكون، بالتأكيد، مشغولة؛ تحاول القنوات التليفزيونية والصحف التواصل معي لإجراء حوار صحفي، كما سبق وأن وفعلت مع الذين قابلوا الرئيس قبلي، ستصدر تصريحاتي كلها تقريبًا تحت عنوان موحد "أول تصريح من السيدة التي قابلت الرئيس"، تمامًا مثلما حدث مع ذلك الشاب الذي قابل الرئيس في الشهر الماضي، وعنونت تصريحاته "أول تعليق من الشاب الذي قابله الرئيس خلال جولته: ربنا استجاب لدعواتي"، غير أنه لم يطلب من الرئيس شيئًا لأنه "مكنش مصدق نفسه".

غير أن ما سأدلي به من تصريحات سيغضب كثير من أقربائي أولهم أمي لأنني لم أتحدث عن أزمة شقيقي وفشله في الحصول على شقة من مشروعات الإسكان الاجتماعي رغم مرور عشرات السنوات، بسبب أزمات مع الشركة المالكة، وعن مشكلة شقيقي الثاني الذي يسعى للنقل من عمله لمكان آخر، وآخرون يودون إرسال شكواهم للرئيس، وفي مخيلتهم أنه من الممكن الاستماع إليها وحلها بقرار رئاسي، تمامًا مثلمًا حدث مع مشكلتي التي حلها الرئيس، هل يمكن أن يتخيل أحدهم حدوث شيئًا آخر لمشكلتي إذا حدث وقابلت الرئيس؟

مشهد اقتحام الموكب من فيلم "بلطية العامة"


في عام 1995، خرجت الصحف بعنوان رئيسي عن إحباط محاولة لاغتيال الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في بورسعيد، بعد اقتحام أحد الأشخاص لموكبه محاولًا طعنه بمطواة، لكن روايات كثيرة انتشرت بعد ذلك الحادث، أن صاحب محاولة الاغتيال المزعومة هو مواطن عادي كان يحاول الوصول لمبارك عقب اختراق موكبه للتحدث معه وعرض مشكلة عليه، لكن انتهى الأمر بقتله، وتصنيفه على أنه مختل عقليًا.

لكنني لن أموت إذا قابلت الرئيس، أتخيل نفسي أكثر حظًا من ذلك الرجل، مثل عبلة كامل في بلطية العايمة، عندما حاولت الوصول لأحد المسؤولين الذي كان يسير في موكب يسد الشارع، لتطلب منه التدخل لحماية المنطقة التي تسكنها من الهدم والبيع لأحد المستثمرين، اقتربت من الموكب ومعها الورق التي قررت عرضه على المسؤول الكبير، فألقي القبض عليها وخضعت لتحقيقات، صورها الفيلم في غرفة مظلمة، توحي بأنها أحد مقر لأمن الدولة، ربما في هذه الحالة، فقط، سيجمعني الرئيس فعلًا بزوجي.