مشهد من فيلم الصوت الإنساني لألمودوفار

معالجة جديدة لنص قديم: ما أضافته ألوان ألمودوفار إلى "الصوت الإنساني"

الصوت الإنساني هو عنوان الفيلم الأحدث لفنان السينما الإسباني بيدرو ألمودوفار، وهو فيلم قصير لا تزيد مدة عرضه عن 30 دقيقة، من بطولة ممثلة واحدة هي الإنجليزية تيلدا سوينتون، باستثناء مشهد افتتاحي واحد تظهر فيه بعض الشخصيات بشكل عارض. وقد عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي العام الماضي، وبدأ عرضه العام منذ عدة أسابيع في بعض الأماكن المختارة.

ولكن لماذا يقرر مخرج بحجم ألمودوفار أن يكتب ويخرج فيلمًا قصيرًا بينما فيلمه الأخير الألم والمجد (2019) رُشِّح لأكبر الجوائز العالمية من كان إلى الأوسكار، وفاز بالعديد من هذه الترشيحات؟ ولماذا اختار ألمودوفار هذا النص تحديدًا، وهو مسرحية مونودراما من فصل واحد كتبها الشاعر والمخرج والرسام الفرنسي جان كوكتو منذ 90 سنةً؟

أسئلة تستثير إجاباتها قراءة لأعمال وعالم ألمودوفار وللمسرحية وتاريخها والمعالجات السينمائية السابقة لها. ولنبدأ بالأشياء الأولى أولا.


الإعلان التشويقي لفيلم الصوت الإنساني لألمودوفار.


بلا اسم

كتب جان كوكتو (1889 - 1963) مسرحية الصوت الإنساني (La Voix Humaine) عام 1930، وهو العام الذي ظهرت فيه على المسرح لأول مرة، ومنذ ذلك الحين أصبحت محورا لعشرات المسرحيات والأفلام والأعمال الموسيقية.

في مقدمة الطبعة الأولى من نص المسرحية يشير كوكتو إلى أن دافعه لكتابتها كان شكوى بعض ممثلات مسرحياته من اهتمامه بالكتابة والاخراج دون أن يتيح للممثلين أن يظهروا إمكاناتهم ومواهبهم، وقد كتبها تحديدا لتؤديها واحدة من هؤلاء الممثلات وهي بيرتا بوفي. وهو أمر غريب حقا أن يتحول نص كتب خصيصًا لاستعراض مهارات ممثلة، إلى عملٍ كلاسيكيٍّ على هذا القدر من الشعبية.

في المسرح يصعب أن نحصر عدد العروض التي أعدت عن المسرحية أو عدد الممثلات اللاتي قمن بأدائها، ولكنها ببساطة واحدة من الأعمال التي تتمنى وتحلم أي ممثلة أن تقوم ببطولتها، خاصة عندما تتقدم في العمر وترغب في إثبات قدراتها، وهي تشبه إلى حد كبير نص الملك لير لشكسبير، فيما يتعلق بالممثلين الكبار سنا.

في السينما كانت المسرحية رغم زمنها القصير محورًا لكثير من الأعمال التي قامت ببطولتها بعض كبار الممثلات.

أول من قدمها في السينما كان المخرج الإيطالي روبرتو روسلليني، أحد رواد ما يعرف بـ"الواقعية الجديدة" في السينما الإيطالية وصاحب الفيلم الذي افتتح هذه الموجة وهو روما مدينة مفتوحة (1945)، وهو الفيلم الذي دشن أيضا اسم بطلته آنا مانياني كواحدة من نجمات المدرسة الجديدة في التمثيل. روسلليني قام بتحويل الصوت الإنساني إلى فيلم قصير ضمن فيلم يحتوي على قصتين بعنوان الحب، L’amore، (1948)، من بطولة آنا مانياني، واضح أن هدفه كان استعراض مهارات ممثلته المفضلة، مثلما فعل كوكتو عندما قام بتأليف المسرحية.

هذا الدور، الذي يجسد شخصية امرأة تجاوزت منتصف العمر لا اسم لها، استهوى عددًا كبيرًا من ممثلات المسرح والسينما، من أشهرهن إنجريد بيرجمان التي جسّدت الشخصية في حلقة من سلسلة ABC Stage 67 التلفزيونية عام 1967، وروزامند بايك بطلة فيلم فتاة هاربة (Gone Girl) (2014)، مرورًا بليف أولمان وسيمون سينوريه وصوفيا لورين وغيرهن من مشاهير الممثلات. كانت المسرحية أيضا محورًا لأوبرتين واحدة من تأليف فرانسيس بولان وآخرى بعنوان التليفون من تأليف جيان كارلو مينوتي، وبالطبع كانت محورًا لعدد لا يحصى من العروض المسرحية، وفي مصر قدمها المخرج الراحل عبد الغفار عودة على مسرح الشباب في نهاية الثمانينيات، لكن لا أعلم إذا كانت هناك عروض أخرى مأخوذة عنها.


نسخة فيلم الصوت الإنساني بطولة روزامند بايك


ما سر هذه المسرحية؟

الصوت الإنساني واحدة من أوائل نصوص "المونودراما"، بجانب أعمال متناثرة قديمة لم تنل اهتمامًا يذكر، لعل أهمها قبل نص كوكتو مسرحية مضار التبغ التي كتبها الروسي أنطون تشيكوف عام 1886. وهذا النوع الذي يعتمد على ممثل واحد يتحدث طوال الوقت إلى نفسه انتشرت بقوة عقب الحرب العالمية الثانية تأثرًا بنظريات علم النفس الذي أسسه فرويد، حيث تشبه كثير من هذه الأعمال جلسةً مطولةً لتداعي الأفكار في جلسات التحليل النفسي.

من ناحية الشكل، إذن، كانت مونودراما الصوت الانساني شيئًا مبتكرًا في وقتها، ولكن هذا ليس فقط سر نجاحها وبقائها.

عندما ظهرت الصوت الانساني كانت حركة تحرر المرأة في ذروتها في فرنسا وأوروبا وكثير من بلاد العالم، وقد أعطت المسرحية صوت المرأة مركز الصدارة، شارحة بشكل مكثف طبيعة الحب عند المرأة والمشاعر المتناقضة المركبة التي تنتابها عند نهاية العلاقة العاطفية.

خلف الكليشيهات الانسانية

تدور المسرحية حول سيدة في منتصف العمر كانت على علاقة غير رسمية برجل لمدة خمس سنوات، هناك إيحاء أنها كانت مجرد نزوة بالنسبة للرجل ومغامرة بالنسبة للمرأة التي كانت تعلم ضمنًا أن هذه العلاقة لن يُكتب لها الدوام.

في اللحظة التي تبدأ فيها المسرحية يكون الرجل قد رحل وأبلغ المرأة أن علاقتهما انتهت وأنه سيأتي لزيارتها ووداعها وأخذ حقائبه وكلبه الذي تركه لديها، ولكنه لا يأتي وتتصل به المراة تليفونيا لنسمع مكالمتهما الطويلة من طرف المرأة فقط، حيث لا نسمع أبدًا ردود الرجل ولكننا نستشف ما يقوله من خلال حديث المرأة.

إنها تتظاهر بالقوة، وبقبولها للانفصال بسهولة، تضحك، وتدّعي أنها توقفت عن التدخين، بينما السيجارة في فمها والمطفأة تمتلئ ببقايا السجائر، وتدّعي أيضًا أنها توقفت عن تناول المهدئات ولكنها تبتلع توليفة من الأقراص لتوحي له، وهي تنفي، بأنها كانت على وشك الانتحار. الحوار بين الاثنين يحتوي على كل "كليشيهات" نهاية العلاقة: ادّعاء القوة من الطرف المهجور، ادّعاء الاهتمام من الطرف المغادِر، مناقشة تفاصيل ترتيب الأوضاع والمتعلقات، بشكل محايد كصديقين. لكن تحت السطح ووراء هذه الكليشيهات هناك توتر وتوجس شديدين، إنكار وغضب عارم يقابله خوف وحذر، وتمسك غير منطقي يشبه تمسك غريق بقشة يقابله ملل ورغبة مستميتة في إنهاء الأمر بسرعة، غيرة تنهش الطرف المهجور نهشًا يقابلها جبن وادّعاء للبراءة أو حرص على عدم زيادة الجرح.

أجمل ما في النص هو أن هذه المشاعر ليست معلنة، لكنها مضمرة بذكاء في لغة الحوار وتظهر أكثر في لحظات الصمت وحركة الشخصية داخل غرفتها وعلاقتها بالإكسسوارات من حولها: التليفون والفراش والصور الفوتوغرافية والحقائب وبزة الرجل الأنيقة وقفاز يديه الذي ترفض أن تعيده إليه وكأنه يده الحقيقية، كما تظهر بشكل آخر مع الكلب، الذي ينتمي لسيده ويشتاق إليه مثلها، وكل من المرأة والكلب يتبادلان النفور، وربما الغيرة، ولكن الكلب معادل موضوعي للمرأة، متشابهان في خضوعهما، مكبلان بحب رجل واحد، ومحكوم عليهما بتجاوزه معا.

المرأة في هذه المسرحية تنتمي لثلاثينيات القرن الماضي بوضوح، لكنها تنتمي أيضا للنساء بشكل عام، أو بالأصح، لجانب من النساء، يتعلق بالعواطف الجياشة التي لا يمكن السيطرة عليها، وتعقب عادةً إعلان انتهاء علاقة لا ترغب في إنهائها، تتعامل معها المرأة بطريقة ربما تختلف عن طريقة معظم الرجال. والمرأة في الصوت الإنساني تأخذ من النمط التقليدي للمرأة بعض الملامح مثل الولاء الشديد والتفاني والخضوع.


اقرأ أيضًا: المؤخرة السوداء لما ريني: الفرار المستحيل من ذاكرة الوصم العنصري

مشهد من فيلم المؤخرة السوداء لما ريني - الصورة من imdb

في أحد المواقف تقول لحبيبها البعيد "لقد عانيت معك كحيوانة، ولكنني استمتعت أيضا كحيوانة". لكن المرأة هنا تحمل كذلك بذور المراة الجديدة، المستقلة، التي تتخذ القرارات (في إحدى الجمل نعرف أنها كانت صاحبة المبادرة في العلاقة بالرغم من علمها بصعوبة استمرارها)، ورغم ضعفها البادي إلا أنها تحاول طوال الوقت ليس فقط أن تبدو قوية، بل أن تكون قوية أيضا، وأن تتجاوز العلاقة التي انتهت بالفعل.

لوعة الحب وهيمنة الآلة

على مدار السنوات والعقود تغيرت معالجة النص الأصلي قليلًا أو كثيرًا لتعكس ما هو ثابت أو بطيء التغير، وما هو متحرك ومتطور في سيكولوجية وذاتية النساء حسب الزمن والمكان، وقد ساعدت على ذلك اللغة الشعرية الايحائية والإمكانيات الكامنة في النص للعب الشخصية على أكثر من عمقٍ ومستوىً.

ما يبدو ثابتًا في النص هو لوعة الحب المغدور. إن أكثر ما ينجح فيه كوكتو هو التعبير عن مشاعر الألم والافتقاد والضياع والغيرة التي تلم ببطلته، وهي مشاعر إنسانية عامة لا تتعلق بهذه المرأة أو بالنساء فقط، ولكن بشكل ما جربها معظم الناس بدرجة أو أخرى، وهي هنا مكثفة ومقطرة ومؤثرة مثل أغنية عاطفية قديمة شجية، وبالفعل تحول النص كما ذكرت إلى أوبرا موسيقية وأغنية شهيرة.

ما يبدو متغيرا هو فكرة استخدام الهاتف المنزلي، الذي كان اختراعًا جديدًا وقت كتابة النص، كبديل عن التواصل الإنساني المباشر. ويبين عنوان المسرحية أن كوكتو كان واعيا بهذه الفكرة، كما يؤكدها الحوار وعلاقة الشخصية الرئيسية بالهاتف الذي تتخذه في بعض الأحيان كبديل عن الحبيب الغائب، وبصوته الآلي القادم من بعيد كما لو كان صوته الحقيقي داخل إذنيها.

في عمله التالي، مسرحية وفيلم الآلة الجهنمية (1932)، يعالج كوكتو العلاقة بين الانسان والآلة بطريقة أخرى، حيث يعيد كتابة أسطورة أوديب متخيلا أن هناك آلةً جهنميةً هائلةً تتحكم بالبشر وتدير حياتهم ومصائرهم، وهي مسرحية تناسب عصرنا الحالي ربما أكثر من أي وقت مضى.

بعد مرور حوالي قرن على مسرحية الصوت الإنساني أصبح الهاتف المحمول ووسائل التواصل الحديثة وغياب "الصوت الإنساني" الطبيعي من مسلمات الحياة الحديثة، وهو ما يحوله ألمودوفار في فيلمه إلى نكتة عندما تسمع المرأة صوت حبيبها عبر سماعات "الإيربود" لهاتفها الذكي، فتسأله "هل أصبحت روبوتا الآن؟"، وهو ما يشير إلى مستقبل قريب ربما تقوم فيه الروبوتات بالتحدث تليفونيًا بدلًا من الشخص، وربما يشير أيضا إلى أن حوار الرجل لا يزيد عن كونه ردودًا آليةً مع امرأة لم يعد يحمل لها أية مشاعر.

تحويل نص مسرحي من نوعية المونودراما إلى فيلم سينمائي هو تحدٍّ لأي مخرج وممثل، إذ يبدو المخرج مدفوعًا لاستخدام تقنيات السينما من مونتاج وزوايا تصوير متعددة وأحجام مختلفة للقطات، وبالنسبة للممثل عليه أن يدرك أن التمثيل أمام الكاميرا يختلف عنه على المسرح، ويحتاج إلى التركيز على المشاعر الداخلية واستخدام الوجه والجسد بطريقة مختلفة.

في الأعمال الأولى المقتبسة عن الصوت الإنساني، وتحديدًا فيلمي آنا مانياني وإنجريد بيرجمان، هناك التزام بالنص والحوار وبعدم الخروج بالكاميرا من الشقة التي تدور داخلها المسرحية، والتركيز هنا على استعراض مهارات الممثلة واستخدامها كعنصر رئيسي ووحيد لتوصيل التأثير المطلوب، ولذلك لا يوجد كثير من التقطيع أو التصوير من زوايا متعددة باستثناء استخدام اللقطة المقربة للتركيز على بعض الأشياء مثل يدي الممثلة أو الهاتف أو الساعة على الحائط أو مطفأة السجائر الممتلئة إلى آخره.

في النسخة التي قامت ببطولتها صوفيا لورين، من إخراج ابنها إدواردو بونتي عام 2014، هناك اقتباس تقليدي إذ يضيف النص شخصيات وحوارات أخرى وبالتحديد ربة المنزل الذي تقيم فيه البطلة، واستخدام للفلاشباك، إذ تتذكر المرأة أيامها السعيدة مع الرجل، وتخرج الكاميرا إلى الشوارع لتصور الاثنين معا.

الإعلان التشويقي لفيلم Voce Umana بطولة صوفيا لورين


على العكس في النسخة التي لعبت بطولتها روزامند بايك (إخراج باتريك كيندي، 2018) هناك التزام بالنص وفكرة الشخصية الواحدة والمكان الواحد، ويشبه العمل إلى حد كبير الأفلام الأولى لمانياني وبيرجمان، ربما باستثناء مقدمة الفيلم التي تتكون من مقاطع صور لأجساد عارية، نراها فيما بعد مبعثرة على الفراش والأرضية، حيث يبدو أن المراة تعمل كمصورة فوتوغرافية.

الساخن والبارد بين ألمودوفار وسوينتون

مرت علاقة ألمودوفار بنص الصوت الإنساني بمراحل كثيرة وصولًا إلى فيلمه الأخير. وحسب لقاء عبر الانترنت أجراه ألمودوفار حديثًا فقد شاهد نسخة روسلليني وآنا مانياني في فترة مبكرة من حياته وترك الفيلم ومانياني أثرًا هائلا عليه منذ ذلك الحين. أثر يمكن أن نتتبعه في كثير من أعماله.

استخدم ألمودوفار فكرة المسرحية لأول مرة في نهاية فيلمه قانون الرغبة (1987)، وفي العام التالي استخدمها كبذرة أساسية لفيلمه نساء على حافة الانهيار العصبي (1988)، الذي يدور حول ثلاث نساء يعانين من توابع العلاقات العاطفية الفاشلة، ومن الطريف أن عروض فيلم الصوت الإنساني في أوروبا والولايات المتحدة غالبًا ما تتضمن عرض نساء على حافة الانهيار العصبي معه.

وحسب الحوار المشار إليه سابقا، من الواضح ان النص ظل يشغله، ويثير شهيته الابداعية، ويبدو أن ظروف الحظر والعزلة التي فرضتها جائحة كورونا على أوروبا، استدعت المسرحية من ذاكرته، ربما لأنها تجسد بشكل غير مباشر مشاعر الوحدة والحنين للعلاقات الانسانية المباشرة، خاصة أنها لا تحتاج إلى إنتاج ضخم أو فريق عمل كبير. اختار ألمودوفار الممثلة البريطانية تيلدا سوينتون للعب الدور، ليكون بذلك أول فيلم له ناطق بالانجليزية، وأول فيلم لا تلعب بطولته ممثلاته الإسبانيات المفضلات.

المثير في اقتباس ألمودوفار للنص، أنه رغم عشقه له وتأثره الشديد به، إلا أنه يعد الاقتباس الأكثر تحررًا، حتى أن عناوين الفيلم حرصت على ذكر أن العمل مستلهم بحرية من مسرحية الصوت الإنساني.

مظاهر التغيير متعددة، وهي تعكس نظرة ألمودوفار للمرأة من ناحية وللتطورات الاجتماعية والنفسية التي حدثت للنساء من ناحية ثانية. بدايةً، يستهل الفيلم بمشهد للمرأة في متجر ضخم تقوم بشراء بلطة، وتوحي نظارتها السوداء وملابسها الزرقاء ونظرات البائع لها بأنها سوف ترتكب عملًا عنيفًا بهذه البلطة. وهي بالفعل تعود للبيت لتمزق بها بدلة حبيبها المفضلة كما تقوم بتحطيم بعض الأواني الفخارية الثمينة.

المنزل صاخب الألوان والإضاءة، على عكس المعالجات السينمائية السابقة التي يغلب عليها الألوان الداكنة وظلمة المكان لتناسب حالة الشخصية. في نسخة ألمودوفار تظهر بوضوح "باليتة" ألوانه المفضلة: الأحمر والبرتقالي والأسود، ودرجات هذه الألوان صريحة ساخنة بشكل غير واقعي. المنزل غاية في الأناقة وعلى الحوائط نسخ من بعض اللوحات التشكيلية الشهيرة منها لوحة فينوس وكيوبيد للمصورة الايطالية أرتيميسا جنتيلسكي التي تعود لعام 1626، وصاحبتها واحدة من أوائل الفنانات التشكيليات في التاريخ، كما تظهر نسخة من لوحة هيكتور وأندروماخي للمصور الإيطالي جيورجيو دي شيريكو، التي تعود لعام 1912، ويظهر فيها الزوجان العاشقان من ملحمة طروادة على هيئة هيكلين خشبيين يتعانقان. وبشكل عام هناك إفراط وحس بالدعابة والتهكم يميزان أعمال ألمودوفار مهما كانت درجة قتامة الموضوع، وهو أمر لم يغب هنا أيضًا.

تيلدا سوينتون بطلة فيلم "الصوت الإنساني" وبيدرو ألمودفار- الصورة: IMDB

بعد دقائق ترتفع الكاميرا فندرك أننا إزاء ديكور في استديو تصوير بدون سقف وليس داخل شقة حقيقية، وأننا نشاهد ممثلة أثناء تمثيلها لأحد العروض. وبهذه الحيلة يكسر ألمودوفار الإيهام، ولكنه من جانب آخر يحافظ على مسرحية العرض، حيث يدرك متفرج المسرح دائما أنه يشاهد عرضًا على خشبة مسرح داخل ديكور مصطنع. ويعطي ذلك اللعب الفني ما بعد الحداثي إحساسًا جماليًا إضافيًا للفيلم.

يجري ألمودوفار أيضا تغييرات على الحوار وعلى النهاية. في النص الأصلي يخيم جو من الاستسلام والخضوع وتنتهي المسرحية بالمرأة في نفس الحالة التي بدأت بها، ولكن هنا هناك تحول كبير يحدث للشخصية من الضعف إلى امتلاك القوة وتجاوز المحنة.

وبهذا التحول يتبين جليا سبب اختيار ألمودوفار لتيلدا سوينتون تحديدا لأداء الشخصية، بداية من أداءها "المسرحي" الساخر، إلى ملامحها القوية، وهي بالتأكيد أضافت لدور يعد اختبارًا ومحطةً كبيرةً بالنسبة إلى أي ممثلة.