مشهد من أحد الإعلانات الترويجية للبورصة

السوق لا تبحث عن مواطنين: لماذا تروج البورصة لنفسها في التلفزيون؟

سيدتان تعملان في محل للكوافير، واحدة تقضي وقت فراغها في السينما وتستثمر الثانية في حافظة صغيرة من الأسهم، أضاعت الأولى عمرها دون جدوى، فيما استطاعت الثانية، بمرور الوقت، تكوين ثروة صغيرة؛ هذه قصة إعلان تلفزيوني تمت إذاعته بشكل مكثف على الفضائيات خلال شهر رمضان المنقضي.

الإعلان الذي حمل شعار "معاك سهم تبقى شريك" ليس الأول الذي يروج للمضاربة في البورصة، فقد سبقه ظهور سلسلة من الإعلانات خلال الفترة الأخيرة، تتبنى صيغته نفسها وفق سيناريوهات متشابهة، فثمة رجل ترقى من الطبقة الوسطى إلى العليا بفضل مشاركته في الاكتتابات العامة، أو جرسون في مطعم يجد لنفسه مكانًا وسط اجتماع لرجال الأعمال بفضل مساهمته في الشركة التي يديرونها، وغيرها من القصص.

تعاني البورصة المصرية من ضعف واضح في إقبال المستثمرين الأفراد منذ جائحة كورونا، وبعد إلغاء عدد من الاكتتابات كان من المتوقع أن تحرك الماء الراكد فيها، ثمة أمل معلق على تلك الدعاية في أن تساعد في إحيائها من جديد، فهل تنجح؟

واجهت البورصة ضغوطًا قوية خلال الفترة الأخيرة، حيث ظلت قيمة مؤشرها الرئيسي، الذي يضم 30 سهمًا يمثلون القوة الضاربة في السوق، شبه ثابتة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، وهو مؤشر على عدم تحقيق مكاسب خلال تلك الفترة، ويُرجع خبراء هذا الانخفاض إلى عدة عوامل منها المخاوف السياسية من تطورات قضية سد النهضة.

كذلك تأثر المؤشر بشكل واضح في 2020 بسبب أزمة كورونا، لكن اللافت للنظر هو أن مؤشر البورصة حقق أداءً جيدًا خلال شهر رمضان الماضي، حيث ارتفعت قيمته كما يتضح في الشكل التالي، وهو ما يعكس أثر حملة الإعلانات التي أذيعت بشكل متكرر خلال ذلك الشهر.

الملمحان الرئيسان في تلك الحملة، هو تركيزها على إشعار المشاهد بالقلق من مرور العمر دون تكوين ثروة صغيرة تؤمن المستقبل، والرغبة في جذب السيدات للمضاربة في البورصة، وربما نجد تفسيرًا لتلك الأهداف الإعلانية في آخر بيانات متاحة عن المستثمرين المسجلين في البورصة، حيث تقع النسبة الأكبر من المستثمرين الأفراد في السوق في الشريحة العمرية بين 41 إلى 60 سنة، وهي الفئة التي تكون في العادة أكثر قلقًا بشأن المستقبل، ومن الواضح أن أمام البورصة تحد لجذب السيدات للسوق حيث يستحوذ الرجال على ثلاثة أرباع المستثمرين في تلك الفئة العمرية.

لكن ماذا لو نجحت الحملة بشكل ساحق ودخل آلاف المواطنين الأفراد إلى البورصة للاستثمار، هل سيحدث هذا أي فرق؟

آداء البورصة خلال شهر رمضان

السوق لا تبحث عن مواطنين

بافتراض نجاح تلك الإعلانات في جذب المواطن العادي لعالم البورصة؛ يرى خبراء أن السوق في الوقت الحالي يحتاج إلى مستثمرين من ذوي الخبرة في أعمال المضاربة على الأسهم، مثل المؤسسات الكبيرة، وليس الأفراد العاديين "نحن لسنا في حاجة إلى مستثمرين أفراد عديمي الخبرة، لأن أكثر من 80% من تداولات السوق في الوقت الحالي تقوم على الأفراد، مما أكسب السوق إيقاعًا عشوائيًا"، كما يقول الخبير في أسواق المال، وائل النحاس للمنصة.

خبير أسواق المال، نادي عزام، يرى أيضًا أن الاستثمارات الصغيرة للأفراد لن تساهم في إحياء سوق المال، ويقول في تصريحات للمنصة إن "قيم التداولات لا يمكن أن ترتفع بمحفظة مستثمر لا يمتلك سوى 250 جنيهًا، أين أصحاب الملايين ولماذا لا يتم اجتذاب المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار التي أصبحت تقلص استثماراتها في الأسهم بشكل ملحوظ منذ عدة سنوات".

وبحسب بيانات التقرير السنوي للبورصة، فقد تراجع عدد المؤسسات الأجنبية الجديدة المقيدة في السوق خلال 2020، وهو على الأرجح بتأثير أزمة وباء كورونا، كما تراجعت أعداد الأفراد الجدد المنضمين إليه وغالبيتهم من المصريين.

رسم توضيحي لعدد المستثمرين الجدد المنضمين للبورصة بين أعوام 2017-2020

ويجمع العديد من الخبراء على أن قلة عدد الأسهم الجاذبة للمستثمرين في البورصة المصرية أحد العوامل الرئيسية المساهمة في ضعف الاستثمارات في ذلك السوق، ويقول العضو المنتدب لشركة أسواق لإدارة المحافظ الاستثمارية، حسام الغايش للمنصة إن "المستثمرين يعانون من قلة البضاعة، ما يفقد السوق جاذبيته الاستثمارية".

وتدخل الشركات إلى البورصة المصرية من خلال ما يعرف بالاكتتاب العام، وهو ما يعني طرح نسبة من أسهم الشركة للبيع على الجمهور المتداول في البورصة، الذي يمثل سوقًا أوليًا لهذه الأسهم، بعدها يتم التداول على بيع وشراء هذه الأسهم بين الجمهور من خلال ما يعرف بـ "السوق الثانوية".

وتمثل الاكتتابات على الشركات صاحبة الأداء المالي القوي فرصة لإحياء حركة الشراء والبيع في سوق المال، ويقول الغايش إن "انخفاض قيم وإحجام التداولات يرجع إلى عدة عوامل خارجية وداخلية، وأهم العوامل الداخلية بسوق المال المصري قلة الطروحات سواء الحكومية أو الخاصة، حيث إٔن من أهم عوامل تنشيط سوق المال والتداول فيه هو الاهتمام بزيادة الطروحات بالبورصة لزيادة حجم و عمق السوق و جذب السيولة ومستثمرين جدد".

وبحسب بيانات البورصة فإن قيم التداولات على الأسهم المقيدة في السوق الرئيسي شبه ثابتة في الفترة بين 2017 -2020، كما تُظهر مقارنة زمنية طويلة انخفاضًا واضحًا في أعداد الشركات المقيدة والقيمة السوقية للأسهم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.

رسم توضيحي لرأس المال السوقي للشركات المحلية المقيدة بالبورصة

أين ذهبت الشركات؟

في الإعلان الذي يصور "جرسون" يعبر عن انتقاده لأداء شركة عقارية ناشئة لمديريها الذين هم في الوقت نفسه زبائن في المطعم الذي يعمل فيه، يقول الراوي في الخلفية إن الشركات الجديدة فرصة جيدة للاستثمار من حيث انخفاض أسعار أسهمها التي سترتفع مع ازدهار أعمالها في المستقل، وهي رسالة تبدو مناقضة لواقع انخفاض أعداد الشركات المقيدة في البورصة، المتأثر بأزمات عدة مر بها السوق مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 والاضطرابات المصاحبة لثورة يناير 2011. لكن هناك عوامل أخرى لا علاقة لها بضغوط السوق ساهمت في انخفاض أعداد الشركات مثل التعديلات التشريعية التي وضعتها الدولة في 2004 و2005 لتحسين قواعد القيد في السوق وإلغاء إعفاءات ضريبية كانت الشركات المقيدة تتمتع بها في السابق.

يرى العديد من المحللين أن السنوات الأولى من الألفية كانت فترة ذهبية لجذب المستثمرين للبورصة مع طرح اكتتابات جذابة "السوق متعطش لدخول شركات جديدة ذات ثقل مالي وفي تلك الحالة يمكن أن يكون للإعلانات الترويجية مردود إيجابي ولنا في اكتتاب المصرية للاتصالات في عام 2005 عبرة، إذ تسبب الطرح الشهير في دخول الكثير من المستثمرين الأفراد الجدد للسوق وكانت بمثابة أفضل ترويج للبورصة المصرية في ذلك الوقت"، بحسب نادي عزام.

وفي عام 2005 طرحت أسهم شركة المصرية للاتصالات وشركة الإسكندرية للزيوت المعدنية "أموك"، اللتان مثلتا عنصر جذب كبير للمستثمرين الأفراد في ذلك الوقت، لكن آخر سندات شركات طرحت بالسوق المحلية كانت لصالح شركة أوراسكوم للإنشاء بقيمة في 2010، وقبلها طرحت شركة جى بى أوتو سندات بقيمة مليار جنيه فى نفس العام، وكانت سندات اسمية قابلة للتداول وغير قابلة للتحويل إلى أسهم، وفى 2009 طرحت شركة المصرية لخدمات التليفون المحمول – موبينيل (أورنج حاليًا)، سندات شركات بقيمة 1.5 مليار جنيه، خصص منها 100 مليون جنيه للطرح العام.

وبحسب بيانات تقرير البورصة المصرية في 2007 بلغ إجمالي عدد المستثمرين الأفراد في السوق من المصريين في ذلك العام 1.5 مليون مستثمر، بينما تذكر تقارير البورصة الأخيرة الرقم الإجمالي للمستثمرين في الوقت الراهن.

مقارنة زمنية لانخفاض عدد الشركات المنضمة للبورصة في السنوات الأخيرة

وفي الوقت الذي كان متوقعًا فيه طرح 14 شركة في البورصة خلال 2020؛ تم تنفيذ طرح واحد فقط، وساهمت أزمة كورونا في إحباط عدد من هذه الطروحات، فيما سعت وزارة قطاع الأعمال مؤخرًا لتنفيذ عدد من الاكتتابات لتنشيط البورصة، ولكن تم تأجيل العديد منها منذ عام 2018، ومن بين 23 شركة كان مخططًا أن تنفذ طروحات في السوق تم طرح 4.5% فقط من أسهم الشرقية للدخان.

ويترقب السوق طروحات لشركتين تتبعان جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع، وهما شركتا صافي لتعبئة المياه ووطنية للخدمات البترولية.

الهروب إلى البنوك

في الوقت نفسه ثمة عائق يفصل بين ما تروج له الإعلانات من فوائد الاستثمار في البورصة، التي ترتبط غالبًا في ذهن المجتمع بالانحدارات الحادة والمغامرة غير المأمونة، وما تمثله زيادة أسعار الفائدة التي اتجه البنك المركزي لزيادتها بعد تعويم الجنيه في 2016، من فرص مأمونة وأكثر جاذبية للاستثمار في ودائع البنوك وغيرها من الأدوات النقدية الأخرى.

وربما تفسر الفائدة المرتفعة النمو القوي في سوق السندات في البورصة المصرية، التي زاد إجمالي التداول عليها من 18 مليار جنيه في 2017 إلى 378 مليار جنيه في 2020.

وأخيرًا، فإن الاقتصاد الحقيقي يعد أحد أهم العوامل الدافعة للاستثمار في البورصة "تنامي قيم وإحجام التداولات لا يمكن أن يتأتى في ظل انخفاض معدلات النمو الحقيقية" كما يقول رئيس وحدة البحوث بشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، محمد عبد الحكيم للمنصة.

ويوضح عبد الحكيم أن "التخوف من ارتفاع وتيرة الركود في الأسواق يهدد بتوقف أنشطة العديد من الشركات العاملة بالسوق، وبالتالي فإن تأجيل الخطط التوسعية للشركات يكون البديل المناسب؛ إنعاش السوق يحتاج إلى منظومة متكاملة لتحفيز مناخ الاستثمار في مصر".

وكانت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي قد تراجعت خلال العام المالي 2019-2020 إلى 3.5% مقابل 5.5% في 2018-2019.