لقطة من مسرحية مدرسة المشاغبين. الصورة: منصة شاهد

تلوين الأبيض والأسود: إنعاش للصورة أم اعتداء على الذاكرة؟

بعد 48 سنةً من إنتاجها، أتاحت منصة شاهد نسخة ملونة من المسرحية الشهيرة مدرسة المشاغبين، وهو الحدث الذي استقبل بشيء من الحفاوة وشيء من النقد، وكأن المسرحية التي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي وأثار موضوعها صخبًا كبيرًا، لا زالت قادرة على إثارة الجدل بالقدر نفسه الذي تثير به الضحكات.

الحملة ضد تلوين المسرحية جاءت بقيادة هند سعيد صالح عبر حسابها الشخصي على فيسبوك، مبدية غضبها ونقدها الحاد لفكرة تلوين المسرحية، وسخرت بشدة من تلوين ملابس أبيها التي خالفت طريقته في الملبس، بحسب قولها، وكذلك أظهرت بشرته حمراء وكأن وجهه "مقروص من خلية نحل"، فيما كان أسمر اللون في الحقيقة.

إضافة إلى ذلك اعتبرت هند أن هذا تعدٍ على حقوق الملكية الفكرية لأصحاب العمل، وقالت إن منصة شاهد لم تحصل على حقوق المسرحية من أصحاب العمل رغم أن مخرجه جلال الشرقاوي ما زال حيًا يرزق، ولم تكتف ابنة الفنان سعيد صالح بالمنشورات ضد المسرحية، فقادت مسألة التلوين إلى المحكمة بدعوى قضائية رفعتها جمعية أبناء فناني مصر ضد منصة شاهد لتعديها على حقوق الملكية الفكرية والأدبية للمسرحية.

لم يسر الجميع في ركب المعترضين على تلوين المسرحية، فالناقد الفني طارق الشناوي قرر الاشتباك مع "أبناء الفنانين" في مقال نشره بصحيفة الشرق الأوسط دافع فيه عن تلوين المسرحية معتبرًا أن ذلك لا يعني تزييفها، وتساءل "هل ابن الفنان يمثل بالضرورة الفنان؟ تخيل مثلًا أن ابن أحد الفنانين، قال إن الفن حرام، وطالب بحرق أعمال والده أو منعها من التداول، فهل نستجيب له؟ لم يتبق من صناع مدرسة المشاغبين سوى عدد قليل جدًا من المبدعين، أمثال عادل إمام وسهير البابلي، متعهما الله بالصحة والعافية، ولم يصدر عن أي منهما رأي ضد تجربة التلوين، فمن يملك إذن حق الرفض؟".

وهكذا، بين مؤيد ومعارض، أثبتت مدرسة المشاغبين قدرتها الدائمة على إثارة الجدل في أي عصر تُطرح فيه على الساحة، ولكن دون أخذ صف أحد الفريقين، كيف يمكننا أن نرى تجربة التلوين للمسرحية؟ وهل قدمت لها أم انتقصت منها؟


المشاغبون بالألوان

ربما يكون إصدار حكم قطعي على جودة عمل فني ضربًا من ضروب الوهم، فالمعروف أن السلع تتعدد وفق رغبات الناس، لذلك فلا يمكن الجزم بفشل أو نجاح تجربة تلوين مدرسة المشاغبين، فهي تخضع لمعيار الانطباع الشخصي للمشاهد، وأثبتت الفكرة نجاحها تسويقيًا، حيث تلقاها المشاهدون بترحاب كبير، كان ظاهرًا في حجم التفاعل على البرومو المطروح عبر قناة شاهد على يوتيوب أو الصفحة الرسمية على فيسبوك، وأمنيات تكرار التجربة في أعمال أخرى.

ومنحت تجربة التلوين قدرًا كبير من الحيوية للصورة، ولفتت الانتباه إلى أشياء كانت على الهامش في النسخة الأبيض والأسود، فيما يتعلَّق بالديكور الخاص بمسرح الأحداث، وهو أحد أهم مفردات اللغة السينمائية، حيث يقدم صورة وصفية معبرة عن الأحداث كما يريدها المخرج، دون الحاجة لوصفها عبر الحوار.

لكنها في الوقت نفسه لم تكن تجربة مثالية، فقد كانت الألوان تبهت أو تشتد دون ثبات، وتنحرف خارج إطار الصورة في بعض المشاهد، كما أن تلوين البشرة جاء مخالفًا لما نعرفه من اللون الحقيقي لبشرة أبطال العمل كما رأيناهم في أعمال أخرى متقدمة في زمن الألوان.

عملية التلوين كذلك لا تخلو من مُساءلة أخلاقية فضلًا عن الجدل الفني حولها، بالإضافة إلى التساؤل حول حق شاهد في قص العمل وتعديله بما يتوافق مع سياستها في العرض، علمًا أن 36 دقيقة من عمر المسرحية واستعراضاتها الغنائية نالها الحذف.

عمومًا، الاتجاه الحالي لتلوين وترميم أعمال الأبيض والأسود ليس جديدًا، حيث سبقته محاولات كثيرة بدأت من التلوين اليدوي لكل لقطة من لقطات الفيلم، وهو ما كان يستنزف مجهودًا كبيرًا من العاملين، ويحتاج ميزانية ضخمة، لذلك لم تكن تجارب التلوين المبكرة في السينما المصرية كثيرة، خاصة أن أغلبها كان يجري العمل عليه في الخارج، ولم تكن كل المحاولات ناجحة في الوقت نفسه مثلما جرى مع محمد فوزي الذي حاولت شركته (أفلام محمد فوزي) تلوين فيلمي الحب في خطر و نهاية قصة في باريس، ولسوء حظه احترق الفيلمان في طريق العودة للقاهرة.

ملصق فيلم دليلة. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

عرفت السينما المصرية التلوين للمرة الأولى في فيلم لست ملاكًا 1946، وظهر ذلك العمل في مشهد واحد في الفيلم هو مشهد أغنية يوم الاثنين للفنان محمد عبدالوهاب، ونضجت التجربة بالكامل لتظهر للمرة الأولى في فيلم بابا عريس 1950، وفي عام 1956 ظهرت النسخة الأولى لفيلم ملون بتقنية السكوب المؤمَّنة ضد الاحتراق في فيلم دليلة لمحمد كريم، بطولة عبد الحليم حافظ وشادية.

التلوين والفن المصري

مؤخرًا بعد دخول تقنية التلوين إلى المجال التكنولوجي باستخدام برامج الحاسوب، ظهرت تجربة فردية رائدة في هذا الإطار وهي تجربة المبرمج محمد الديب الحاصل على دكتوراة في تلوين الأفلام بالذكاء الاصطناعي، والذي قام بتلوين أكثر من 86 فيلمًا ومسرحية.

في حديث أجرته معه الصحفية انتصار دردير بجريدة الشرق الأوسط، برَّر الديب حاجة الأعمال القديمة إلى الإنعاش البصري "هناك كثير من الأفلام القديمة التي شاهدناها عشرات المرات ولم نمل منها، بينما هناك جيل جديد قد لا يبدي اهتمامًا لمشاهدتها نظرًا لقدمها وعدم حداثة ألوانها، المنحصرة فقط في اللونين الأبيض والأسود، هنا يأتي دورنا لكي نعيد بناء ألوان تلك الأفلام ونضفي عليها طابع الحداثة بألوان تكون قريبة من الواقع، فهذه الأفلام والمسرحيات القديمة ستظل دائمًا ساحرة فيما تحمله من ذكريات لجميع الأجيال". وتواجه تجربة الديب العديد من المشكلات مبعثها بلا شك حقوق الملكية الفكرية، التي تعوقه عن عرض الأفلام التي يلونها على يوتيوب.

وظهر بعض الاهتمام بعملية التلوين والترميم مؤخرًا في السينما المصرية، نراه في التجربة الأكثر بروزًا التي نتجت عن تعاون شركة أفلام مصر العالمية مع المعهد الفرنسي لتلوين وترميم أفلام المخرج يوسف شاهين، التي لاقت استحسان الجماهير لدرجة أنها عُرضت في صالات السينما، وجذبت الكثير من الحضور، وأتيحت للمشاهدة على منصة نتفليكس، وأثبتت أن عمليات الترميم والتلوين بإمكانها أن تضيف إلى العمل الأصلي الكثير من الألق، خاصة على المستوى البصري.

وعلى الصعيد العالمي أثبتت تقنية التلوين فعاليتها في استقطاب جماهير جديدة لمشاهدة الأفلام الأبيض والأسود التي أعيد تلوينها، نراها في الإقبال الجماهيري على النسخة الملونة لفيلم Casablanca الكلاسيكي، حين طُرحت في أسواق الفيديو في ثمانينيات القرن العشرين.

الصدق كمعيار للجودة

فيفك راو مؤسس شركة وست ونج ستوديوز وهي إحدى أكبر الشركات في هذا المجال، اختصت بترميم وتلوين الأعمال التاريخية خاصة الحرب العالمية الثانية، يرى أن التلوين يقرِّب الماضي ويخلق تجربة أكثر حميمية للجمهور المعاصر، حيث يسمح للأجيال الشابة بإلقاء نظرة على أعمال يريد أن يكون جزءًا منها، ولكن عملية التلوين بحد ذاتها يجب أن تتم مع مراعاة أخلاقية وصادقة للألوان، فمثلًا زي الجندي الألماني له تصميمه الخاص كما زي الجندي الفرنسي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال ترك الموضوع اعتباطًا للفنان في أن يختار الألوان التي يريدها، فالتلوين الرقمي كله يدور حول الدقة والجودة، ويجب أن تبدو النتيجة واقعية وليست مصطنعة أو مسطَّحة، وكذلك تتوافق بدقة مع مع الحقبة الزمنية التي يدور فيها الفيلم.

وبالوقوف عند تجربة وست ونج التي بدأت عام 2002، وأصبحت الآن تمتلك عدة مكاتب في الولايات المتحدة والهند لتكون قريبة من عالمي هوليوود وبوليوود على السواء، وامتلاكها أكثر من 50 رسامًا ومصممًا، يمكننا أن نرى أن مستقبل صناعة الأفلام يتجه أكثر فأكثر إلى التلوين، ليس فقط في إعادة ترميم اللقطات والأعمال القديمة، ولكن أيضًا في إنتاج أعمال جديدة تعتمد على لقطات أرشيفية بالأبيض والأسود، وهو ما حدث حيث أصبحت الشركة تتعامل مع كبرى شركات الإنتاج مثل سوني بيكتشرز وكولومبيا تريستار، وأتت تلك التجربة بثمارها في الفيلم الحائز على جائزتي إيمي عام 2016 ،The Beatles: Eight Days a Week The Touring Years.

عملية التلوين أكثر تعقيدًا من الاعتماد على تقنية VFX (المؤثرات البصرية) الإلكترونية التي تعطي الصورة أفضل التحسينات الممكنة، ولكنها تعتمد أيضًا على خبرة القائمين على مسألة التلوين ذاتها، والتعديلات التي يتخطون بها اقتراحات الحاسوب لمعالجة وتلوين الصورة، وهكذا كما يقول راو فإن المسألة لا تقف عند استبدال اللون الأبيض والأسود للصورة بالألوان المقابلة وفقًا لقيم الضوء التي يضبطها الحاسوب، ولكنها عملية البحث عن الألوان المناسبة من 16 مليون لون مقترح.

لماذا الأبيض والأسود؟

كثير من المعارضة لفكرة التلوين بحد ذاتها لا تنبع من الأساس من جدل دائر حول الجودة التقنية لعملية التلوين، بل تأتي من رفض تام لتلك العملية بوصفها تعديًا على التراث العتيق، وأيضًا على ذاكرة المشاهد والزمن الخاص بالعمل الفني.

وأيضًا صورة الأبيض والأسود بحد ذاتها لا زالت تملك تأثيرها الفني في نفسية المشاهد، رأيناها في بعض الأحيان تسير بالتناقض مع الثورة التقنية للألوان في عالم السينما، وتقابل باحتفاء أكاديمي وجماهيري بدءًا من فيلم The Raging Bull 1980 حتى فيلم ROMA 2017.


اقرأ أيضًا: محمد توفيق: كيف يخرج التاريخ من ضباب النوستالجيا


ومن أهم التجارب التي انتصرت لصورة الأبيض والأسود كانت بلا شك تجربة فيلم Schindler's list الشهير، التي رأى فيها مخرجه ستيفن سبيلبرج أن العودة إلى تصوير أحداث تلك المأساة بالأبيض والأسود، وهي التي ارتبطت في لقطاتها الأرشيفية الرئيسية من زمن الحرب في ذهن الجمهور بالأبيض والأسود، سيكون قادرًا على جعل الجمهور أقرب بشكل رمزي إلى أحداث القصة، وإدماج نفسيتهم في البيئة التاريخية لزمن الثلاثينيات والأربعينيات الذي تدور فيه الأحداث.

ولكن لصورة الأبيض والأسود أيضًا بعض السلبيات رغم بعدها النوستالجيّ حين تُعرض في زمن الألوان حاليًا، حيث ترتبط في ذهنية المشاهدين من الشباب بزمن الأعمال المملة، أو الصورة في تقنياتها البدائية، وهو بدوره لا يكون عاملًا مشجعًا للإقدام على تجربة مشاهدة عمل قديم، لذلك تعد تجربة التلوين مفيدة بشكل كبير في استقطاب شريحة أخرى من المشاهدين أكثر حداثة من الجيل الذي ارتبط بحب المسرحية، ونشأ على مشاهدتها، واعتادها بالأبيض والأسود.

مسألة تلوين الأعمال الكلاسيكية تشبه الجدل البيزنطي، ربما لن يُحسم أبدًا، ولكن بلا شك أنها ستكون مفيدة في حفظ الكثير من الأعمال الكلاسيكية من خلال ترميم وتلوين نسختها الأصلية المهترئة، بالإضافة إلى تقديمها كسلعة جديدة إلى شريحة حديثة من الجماهير؛ الشباب على الأخص، طالما أن وجودها في الأسواق لا يعوق كون نسختها الأصلية من الأبيض والأسود لا زالت مطروحة إلى جوارها، ولكن ستظل تلك العملية في حاجة إلى وضوح أخلاقي وقانوني بشكل أكبر من القوانين الموضوعة حاليًا، من أجل حماية العمل الأصلي لصناعه، أثناء تلوينه، من الاعتداء على فترته الزمنية والعديد من المشاهد التي يتضمنها من خلال قصقصتها وحذفها، وحماية حق المشاهد الذي يدفع مالًا أو وقتًا في مقابل مشاهدة قصة مكتملة الأركان، سواء كانت بالأبيض والأسود، أو بالألوان.