المعهد الأحمدي الأزهري بطنطا. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

الأزهر يغازل معارضي "تطوير التعليم": المعاهد ترحب بكم

تسببت الصدامات المتكررة، بين وزارة التربية والتعليم وأولياء أمور الطلاب الملتحقين بمدارس التعليم العام، حول المناهج وأساليب الامتحانات، في اتساع الفجوة بين الطرفين، فلا توجد نقاط التقاء ولا تطابق في الرؤى ووجهات النظر، ما دفع مؤسسة الأزهر لمغازلة الممتعضين من استراتيجية الوزير طارق شوقي، والسير عكس توجهاته لترميم شعبية التعليم الديني.

وهو ما ظهرت ثماره الصيف الماضي، إذ ارتفعت نسبة التحويل من التعليم العام للأزهري، بنسبة حوالي 55%، بحسب بيان للأزهر، في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2020.

البيان الذي كان واضحًا تباهي الأزهر فيه بزيادة عدد الذين قرروا التحويل إليه من مدارس التعليم العام، قال فيه إن التعليم الأزهري شهد إقبالًا كبيرًا، مقابل انخفاض كبير في نسبة تحول طلابه للتعليم العام، مؤكدًا أن إجمالي المقبولين ذلك العام في مرحلة رياض الأطفال بلغ 128 ألفًا و978 طفلًا، بزيادة قدرها 17 ألفًا و298 طفلًا عن العام السابق أو حوالي 15%، في حين بلغ إجمالي عدد التلاميذ المقبولين بالصف الأول الابتدائي 237 ألفًا و520 تلميذًا، بزيادة قدرها 44 ألفًا 617 وطالبًا عن العام السابق، أي ما يساوي 23%.

ووفق بيان الأزهر آنذاك، الذي صدر عن "المشيخة" وليس قطاع المعاهد الأزهرية، فإنه لوحظت زيادة في نسب تحويلات الطلاب من مدارس التربية والتعليم للمعاهد الأزهرية، حيث بلغ إجمالي عدد الطلاب المحولين، 25 ألف طالب، بزيادة بلغت 11 ألفًا و592 طالبا عن العام السابق (أي بزيادة تقترب من 55%)، في حين تقلصت أعداد الطلاب المحولين في نفس السنة، من المعاهد الأزهرية إلى التربية والتعليم بشكل ملحوظ مقارنة بالعام الماضي بمقدار 11 ألفًا و27 طالبًا عن العام السابق.

المتابع عن قُرب لتحركات الأزهر الأخيرة لاسترضاء طلابه وأسرهم، والاستجابة لنفس المطالب التي ترفض وزارة التعليم تنفيذها للملتحقين لديها، يكتشف إصرار المؤسسة الدينية على الظهور بصورة مغايرة عن تلك المأخوذة عنها، بأنها متشددة في الرأي والتوجه، بحيث يقود ذلك لزيادة أعداد الطلاب الملتحقين بالمعاهد الأزهرية، سواء بالتقديم أو التحويل من التعليم العام.

آخر قرارات الأزهر الإيجابية، من وجهة نظر الطلاب وأولياء الأمور، أنه ألغى منهج شهر مايو/ أيار الجاري من على طلاب الشهادة الإعدادية، مراعاة لظروف جائحة كورونا وغلق المعاهد الأزهرية، بحيث تقتصر امتحانات الفصل الدراسي الثاني على مناهج مارس/ أذار وأبريل/ نيسان، حتى لا تكون هناك أعباء نفسية مضاعَفة على الطلاب.

استثمر أولياء أمور طلاب التعليم العام، قرار الأزهر، للضغط على وزارة التربية والتعليم، لاتخاذ قرارٍ مماثلٍ بإلغاء منهج شهر مايو كنوع من تخفيف الضغط على أولادهم، لكن الوزير طارق شوقي خرج ليتحدث بنبرة حادة، ويرفض تنفيذ الطلب، ويطالب الأهالي بالخضوع والالتزام لما تقرره الوزارة، مستبعدًا التفكير في إلغاء درس واحد من المنهج.

مع تيار الرأي العام

ما يلفت الانتباه، أن قرارات الأزهر التي يغازل بها الممتعضين من تشدد التربية والتعليم في بعض التوجهات والسياسات، كثيرًا ما تُبنى على توجهات الرأي العام، بمعنى أنه لا يبادِر باتخاذ أي قرار يُرضي الشارع، على مستوى طريقة التدريس والمناهج وآليات التقييم، إلا عندما تكون هناك مطالبات بذلك، ويصعب أن يبدأ بالخطوة من تلقاء نفسه.

طلاب يؤدون امتحانًا على التابلت. الصورة: رئاسة مجلس الوزراء- فيسبوك

على سبيل المثال، قطاع المعاهد الأزهرية لم يحذف منهج شهر مايو، إلا عندما طالب أولياء الأمور بذلك ورفضت وزارة التعليم، ولم يستقر على أن تكون امتحانات الشهادة الإعدادية للفصل الدراسي الأول مضافة للمجموع النهائي، إلا بعد حالة الغضب الواسعة التي نتجت عن قرار الوزارة بعدم احتساب درجات الترم الأول، واقتصر المجموع على الفصل الدراسي الثاني.

تبدو قرارات الأزهر بشأن التعليم في أغلب الوقت مرتبطة بتطبيق كل ما يناقض سياسة وتوجهات وزارة التعليم، ومتوافقة مع متطلبات الشارع، بحيث يمثل القرار حافزًا لزيادة شعبية التعليم الديني بين الأوساط الاجتماعية.

أدل مثال على ذلك، أن الوزير طارق شوقي والإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر، وقعا اتفاقية في 27 سبتمبر/ أيلول 2018، كان ضمن بنودها توفير أجهزة تابلت لطلاب الصف الأول الثانوي الأزهري وتجهيز مباني المعاهد الأزهرية للصفوف الثانوية للبدء في تعميم التجربة الإلكترونية، لكن ذلك لم يحدث.

بعدها، أكد الشيخ علي خليل رئيس قطاع المعاهد الأزهرية، في 14 نوفمبر/ تشرين الأول 2018 (أي بعد توقيع الاتفاقية بنحو شهر ونصف) خلال حوار صحفي، مع صحيفة البوابة نيوز، أنه سيتم تسليم التابلت بالمعاهد الأزهرية، بمجرد أن توزعه وزارة التعليم، وأن طالب الصف الأول الثانوي الأزهري هذا العام (يقصد 2018)، سيطبَّق عليه النظام الجديد بنفس مقومات العملية الدراسية للمناهج بنظام التربية والتعليم، وسيؤدي طلاب الصف الأول امتحانين في نهاية كل فصل دراسي، يحصل الطالب خلالهما على الدرجة الأعلى من الامتحانين، لكن هذا النظام لم يطبق بالفعل.

وفي 25 فبراير/ شباط 2019، أعلن قطاع المعاهد الأزهرية، الاتفاق مع شركات متخصصة لتجهيز المعاهد بالبنية التحتية التي تمكِّن الطلاب من استخدام التابلت، لتوزيعه على طلاب الصف الأول الثانوي السنة المقبلة، أي مع بداية الدراسة في 2020، وهو ما لم يحدث أيضًا، وبدأ العام الدراسي بالطريقة التقليدية، على مستوى التدريس والامتحانات الورقية.

يعتقد متابعون لموقف الأزهر، أن عدم تفعيل الاتفاقية الموقعة مع وزارة التعليم في سبتمبر 2018، والتجميد غير المعلن لبنودها الخاصة بالتابلت حتى مايو 2021، قد يعكس تخوف الأزهر من تكرار التجربة الإلكترونية، ما دفعه للاستمرار في تطبيق الطريقة التقليدية، على مستوى التدريس والامتحانات وطريقة الأسئلة الورقية.

في ذروة احتجاج طلاب الصفين الأول والثاني العام، على التمسك بتطبيق امتحانات إلكترونية في بيئة تكنولوجية هشة، كان أبرز ملامحها سقوط "السيستم"، كانت المعاهد الأزهرية تؤدي امتحاناتها الورقية في هدوء، ولم تلغ نتيجة الفصل الدراسي الأول بسبب الغش الإلكتروني والتسريب وتكرار وقوع منصة الامتحانات كما فعلت وزارة التعليم.

استقلالية مطلقة

العميد السابق لمعهد الدراسات التربوية بجامعة القاهرة، سامي نصار، قال في حديثه مع المنصة، إن الأزهر يرغب في إظهار نفسه كمؤسسة تعليمية عقلانية لا تجازف بمستقبل طلابها كما تفعل وزارة التعليم، ولا يمانع في إصدار قرارات يخاطب بها الرأي العام، أكثر من طلابه، بحيث يستطيع ترميم شعبية معاهده الدينية، ودفع الناس لمقارنة سياساته بفكر الوزارة.

الفارق الجوهري بين استراتيجية الأزهر تجاه التعليم، ونظيرتها التي ترغب في تطبيقها وزارة التربية والتعليم، أن المؤسسة الدينية تتمسك بأن تضفي المزيد من الاستقلالية على قراراتها، وترفض بشكل قاطع أن تكون هناك تدخلات حكومية في توجهاتها المرتبطة بالناحية التعليمية، وتتعامل مع هذا الملف باعتباره مِلكية خاصة، لا سلطان لغيرها عليه مهما كانت السلبيات.

استثمر الأزهر استقلاليته المطلقة، في مغازلة الرأي العام لاستقطاب المزيد من الشرائح المجتمعية، فرفض تطبيق التابلت والامتحانات الإلكترونية، وأصر على عدم تعديل طريقة الأسئلة لتستمر في مخاطبة الحفظ وليس الفهم، كما فعلت وزارة التعليم، وتمسك بالإبقاء على المناهج دون تحديث، لتبقي على طريقتها التقليدية لأن الناس ترفض النسخة المطورة منها.

طالب يؤدون امتحانًا على التابلت. الصورة: رئاسة مجلس الوزراء- فيسبوك

المزيد من الشرعية

وأضفى شيخ الأزهر أحمد الطيب مزيدًا من الشرعية على استقلالية قرارات مؤسسة الأزهر، بإصداره قرارًا في أغسطس/ آب 2018 يقضي بإنشاء مجلس أعلى للتعليم الأزهري قبل الجامعي، بعد أن كان الأزهر مجرد عضو في المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي، بحيث يستقل بذاته وينفرد بإصدار قرارات التعليمية بعيدًا عن تدخلات أو وصاية أي جهة أخرى.

ويخشى متابعون، أن تقود قرارات المؤسسة الدينية، المناقضة كليًا لاستراتيجية الوزير طارق شوقي، والمتناغمة أيضًا مع توجهات الأغلبية الجماهيرية، لزيادة الإقبال على التعليم الديني، سواء بالتقديم للمعاهد الأزهرية في مرحلتي رياض الأطفال والابتدائية، أو التحويل إليها من صفوف الابتدائية والإعدادية، باعتبار أن قانون التعليم يسمح بذلك خلال فترة الصيف من كل عام.

نصار يرى أن رسائل الأزهر للمجتمع مفادها "من يرغب في التعليم والحصول على الشهادة بطريقة سهلة وبسيطة دون تعقيدات، عليه باللجوء للمعاهد الأزهرية بديلًا عن المدارس التي تخضع لرؤية واستراتيجية مرتبكة، وللأسف لا توجد خطة مضادة من وزارة التعليم لإقناع الناس بأن ما تفعله هو الصواب".

ويدرس في المعاهد الأزهرية حوالي 2 مليون طالب موزعين على نحو 10 آلاف معهد، ومناهجهم قريبة من التي يتم تطبيقها في مدارس التعليم العام، والفارق الجوهري في عدد المواد الدينية، فإذا كان طالب التعليم العام يدرس ست مواد فقط في الثانوية العامة بالقسم الأدبي، مثلًا، فإن زميله الأزهري قد يدرس عشرة، بينهم والتفسير والحديث والفقه.

البديل الأمثل

المنصة تحدثت مع مسؤول كبير بقطاع المعاهد الأزهرية، للوقوف على أبعاد ونوايا المؤسسة الدينية من وراء خطة التماهي مع الشارع، فقال "التخبط الحاصل في استراتيجية تطوير التعليم التي تنفذها الحكومة في المدارس، جعل كثيرون يفكرون في الإقبال على التعليم الأزهري، وما حدث خلال السنة الماضية أكبر دليل على ذلك، والمؤسسة الدينية سعيدة بذلك".

أضاف المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه، أن "أعداد التحويلات من المدارس للمعاهد الأزهرية العام الماضي، كانت كبيرة للغاية، والإفصاح عن الأرقام لا يعني أن الأزهر ينافس التربية والتعليم، أو يسعى لاستقطاب الهاربين من استراتيجيتها المتخبطة، لكن ذلك يهدف لإسكات من يدّعون هروب الطلاب من التعليم الديني"، مؤكدا أنه "تم إغلاق ملف تطبيق تجربة التابلت كليًا".

ولفت المتحدث، إلى أنه "منذ سقوط حكم جماعة الإخوان عقب 30 يونيو 2013، كان هناك هروبًا من معاهد الأزهر للتربية والتعليم، لأن الرأي السائد في المجتمع كان يرفض أي هيمنة دينية على الفكر والعقل خاصة في حقل التعليم، لكن الشريحة المتذمرة من استراتيجية وزارة التعليم، وجدت في التعليم الأزهري البديل الأمثل لأنه ما زال تقليديًا".

واعترف المسؤول ذاته، بأن الرأي السائد لدى الكثير من قادة المؤسسة الدينية، أنه لا يجب المجازفة بتطبيق تجارب تعليمية تدفع الناس للهروب منها أو تثير امتعاضهم، بالعكس، هناك شبه اتفاق على ضرورة استرضائهم وتحقيق رغباتهم والسير وفق احتياجاتهم.

الكم أولًا

تعكس هذه التصريحات، وفق خبراء، أن الأزهر لا يعنيه المضمون بقدر ما يهتم بالكم، ويتعامل مع زيادة أعداد طلابه باعتبار أن ذلك دليلًا على استمرار النفوذ والشعبية، بعكس ما يروج البعض من اهتزاز صورة التعليم الديني في نظر الناس، لكن التفكير بهذه العقلية يترتب عليه جملة من التداعيات السلبية على الأجيال المقبلة.

أولها، أن العدالة التعليمية غائبة بين طالب التعليم العام ونظيره الأزهري، فالأول يسير في طرق وعرة للوصول إلى حلم الجامعة الحكومية هربًا من الكليات الخاصة التي صارت للأغنياء فقط، والثاني يلتحق بجامعة الأزهر مهما كان مجموعه، باعتبار أن كل خريجي الثانوية العامة الأزهرية يحق لهم دخول كليات الأزهر، والفارق فقط في التنسيق الداخلي.

لا تتوفر هذه الميزة لطلاب مدارس وزارة التعليم، فالجامعات الحكومية لا تقبل أكثر من نصف الحاصلين على الثانوية العامة سنويًا البالغ عددهم نحو 600 ألف طالب، والنسبة الباقية تذهب لجامعات ومعاهد خاصة.

حتى طالب الشهادة الإعدادية في الأزهر، لا يحتاج إلى مجموع كبير ليدخل الثانوية العامة، لأن كل من ينجح بأي درجة في الإعدادية الأزهرية يلتحق بالثانوية مباشرة، بعكس الحاصل في التربية والتعليم، حيث يوجد تنسيق خاص بمرحلة الثانوية، ومن يفشل في الحصول على مجموع كبير، فليس أمامه سوى الدبلومات الفنية، الصناعية والزراعية والتجارية والفندقية.

ومن شأن التسهيلات التي تقدمها المعاهد الأزهرية وما يترتب عليها من زيادة الالتحاق بها، أن تعطَّل أية جهود مستقبلية لتوحيد نظام التعليم في مصر.

ويرى تربويون، أنه من الطبيعي أمام كل هذه الإغراءات التي تقدمها مؤسسات التعليم الأزهرية، أن يرتفع سقف التوقعات بزيادة الإقبال على التعليم الديني لدى الشريحة التي ما زالت ترفض استراتيجية الوزير طارق شوقي، وتتخوف من تبعاتها، لما سببته من ضغوطات نفسية وعصبية على الطلاب والأسر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، منذ تطبيق تجربة التابلت تحديدًا.

ومن شأن التسهيلات التي تقدمها المعاهد الأزهرية وما يترتب عليها من زيادة الالتحاق بها، أن تعطَّل أية جهود مستقبلية لتوحيد نظام التعليم في مصر وتنفيذ المقترحات السابقة التي نادى بها طارق شوقي في أغسطس 2018، بضم التعليم الأزهري مع العام، واقتصار المعاهد الأزهرية على العلوم الدينية والشرعية فقط، لتكون مؤهلة لنوعية محددة من الكليات ذات التخصص بحيث تخدم الهدف الذي نشأ من أجله الأزهر.


اقرأ أيضًا: إلكترونية أم ورقية: امتحانات الثانوية تحسمها الحكومة أم بروفات طارق شوقي؟