تصميم: يوسف أيمن- المنصة

عبادة المستقبل: هوس الإنجاب في دراما رمضان

أينما سرت في شوارع مصر وجدت هذه الإعلانات التي تحيطك من كل جهة، إذا كانت بالنيون أو على شاشات ديجيتال أو مرسومة ومكتوبة على الحائط أو في إعلانات التليفزيون، وبالتأكيد الرسائل النصية على الهاتف والإعلانات على مواقع الإنترنت المختلفة. أينما وليت وجهك وجدت إعلانات عن علاج العقم وتنشيط التبويض، والتلقيح الصناعي والحقن المجهري وأطفال الأنابيب وغيرها. الجميع يريد أن ينجب. هذه هي الحقيقة التي يعكسها كل شيء حولنا في مصر، وهي ما تدور في فلكه عدة مسلسلات رمضانية هذا العام.

يتزوج الشباب وفي غضون أقل من سنة إذا لم تحمل الزوجة، يبدأ الزوج والزوجة في البحث عن الأسباب. قبل ذلك تنهال عليهما الأسئلة بالتلميح في البداية، ثم تتضح وينكشف وجهها أكثر وأكثر، ليسألهم الأقارب والأصدقاء والجيران والأحباب صراحة: ما سبب تأخر الحمل؟ التكرار و"الزن" يحول الموضوع إلى مشكلة ضخمة حيث تنحصر حياة الزوجين تنحصر في البحث عن طريقة للإنجاب. البحث عن طبيب، إجراء التحاليل والأشعات، اختيار أفضل طريقة للعلاج إن كانت هناك مشكلة، ثم بدء رحلة العلاج أو إجراء جراحة، فانتظار النتيجة، ثم فرحة بالحمل وخوف على الجنين الذي انتظراه كثيرًا وتعبا وأنفقا مبالغ طائلة من أجله، وإذا انتهت رحلة العلاج أو الجراحة بالفشل، تبدأ دورة جديدة من البحث عن طبيب آخر وبدء مسار آخر من العلاج أو الجراحة، وهلم جرا.

أحيانًا ما يصبح كل ذلك بعد بضع سنوات مجرد ذكرى يحكيها الزوجين للآخرين وهما يحتضنان ابنهما، أو تتكرر هذه المحاولة في متواليات من العبث السيزيفي.

لم تعد المسلسلات، مثلما كانت تفعل في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تتناول فكرة تنظيم الأسرة، ولم تعد تتناول مشكلة تفضيل الأزواج لإنجاب الذكور، مثلما كانت تفعل في التسعينيات، ولكن أصبحت المشكلة الرئيسية التي تتعلق بالأسرة هي الإنجاب في حد ذاته.

فمثلًا، كنا نجد في مسلسلات مثل عادات وتقاليد 1972، وأفواه وأرانب 1978، وأهلًا أهلًا بالسكان 1984، هذا الاهتمام بفكرة تنظيم الأسرة، الذي يتوافق مع الحملة التي كانت الدولة حينها بدأتها وتدعمها، وأيضًا نجد في مسلسلات مثل الضباب 1977، وحكايات هو وهي 1985، وأم البنات 1990، وحصاد الحب 1992، وأيام الضحك والدموع 1998، فكرة مشكلة تفضيل الأزواج لإنجاب ذكور وهي أيضًا مسلسلات تتماشي مع الحملة التي كانت تقودها الدولة وقتها والتي كانت تأتي بشكل مباشر في شكل فيديوهات توعوية قصيرة، تنتجها هيئة الاستعلامات والتليفزيون المصري، وكانت تعرَض كثيرًا في الفواصل على القنوات المختلفة.


من مسلسل حكايات هو وهي


كانت الدولة هي الكيان الذي يموِّل ويدعم أحيانًا ويشجع دائمًا على صنع مسلسلات وحتى أفلام روائية وتسجيلية طويلة وقصيرة عن تنظيم الأسرة، ثم مشكلة تفضيل الذكور. ولكن الآن نجد هذا الزخم من الاهتمام الشديد بفكرة الإنجاب، الذي يتزايد يومًا بعد يوم مع الاهتمام والهوس المجتمعي بفكرة الإنجاب والخوف والرهبة من فشل محاولاته.

تمتلئ الدراما المصرية في موسم رمضان 2021 بمثل هذه المحاولات، وتدور قصص المسلسلات وشخصياتها حول فكرة الحمل والإنجاب لتلخص لنا هذا الاهتمام الكبير بالأبناء في السنوات الأخيرة.

نيوتن الأمريكي

يدور مسلسل لعبة نيوتن بطولة منى زكي ومحمد فراج ومحمد ممدوح، وتأليف وإخراج تامر محسن، حول فكرة الحمل والولادة. فالشخصية الرئيسية هَنا تريد أن تنجب وليدها الذي عانت كثيرًا من أجل أن تحمل فيه في الولايات المتحدة. تحلم أن يكون ابنها أمريكي الجنسية. هذا الحلم بالتأكيد هو تعبير مباشر وقوي لما وصل إليه هذا الجيل الذي تنتمي إليه هَنا. الجيل الذي لا يشعر أن مصر هي أفضل مكان للعيش، وأن أقل ما يمكنه أن يفعله لأبنائه هو أن يقدم لهم الجنسية الأمريكية بالولادة، ليكون حظهم أوفر، فالحلم الأمريكي ما زال صالحا بعام 2021، بل أصبح أكثر إلحاحًا بسبب المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقابل المصريين اليوم.

نعرف من الحوارات التي تأتي على ألسن الشخصيات أن هَنا وحازم عانيا لسنوات طويلة من عدم الإنجاب، وطرقا باب الكثير من الأطباء لحل هذه المعضلة. الحمل والولادة والإنجاب هي أحلام كانا يتمنياها، وهي نفسها الأحلام التي تجعلهما يسعيان لتحقيقها في أفضل الظروف وأحسن مكان. وهي نفسها الأسباب التي جعلت هَنا مستعدة لأن تفعل أي شيء من أجل أن تحافظ وتحتفظ بابنها إبراهيم.


من مسلسل لعبة نيوتن


يوضح المسلسل في إطار من الغموض والإثارة والأهم التوتر والترقب، كيف تتعامل هَنا كامرأة مصرية متعلمة من الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة وحدها. منذ أول يوم لها حيث تجريدها من جواز سفرها مرورًا بسرقة أموالها والنصب عليها، حتى الولادة في مستشفى ووضع ابنها في حضَّانة. كل الظروف التي تقابل هَنا في أمريكا تجعلها تصمم أكثر وأكثر على تحمل كل شيء من أجل أن يظل ابنها في حضنها. تهدِّد بالانتحار من أجل أن تراه وتكتبه باسم أب آخر من أجل المقامرة للحصول عليه بعد فترة، بل وتقبل الزواج من مؤنس المتشدد دينيًا لتحتفظ بابنها وتعود به إلى مصر.

الابن هو المحرك الأول لـ هَنا وحازم، حتى قبل أن يولَد بل حتى قبل أن يوجَد، فهو الدافع الأول لكل خطوة وكل فعل يتخذانه. فكانت حياتهما تدور حوله، وهما يحاولان أن ينجبا، وأصبحت حياتهما تدور حوله حين حملت به، وما زالت تدور حوله بعد ولادته. هذه الحالة من عبادة الأبناء أو المستقبل هي التي نجدها في الكثير من المصريين الآن، حيث شعورهم الدائم أن ماهيتهم الوحيدة هي أنهم وجِدوا من أجل الإنجاب وتربية الأبناء.

الطفلة "زيزي" التي تريد أن تنجب

مشكلة الإنجاب هي أيضًا المشكلة الرئيسية التي تقوم عليها أحداث مسلسل خلي بالك من زيزي، بطولة أمينة خليل ومحمد ممدوح وإشراف على الكتابة مريم نعوم وإخراج كريم الشناوي. زيزي مثل كثير من الفتيات، وصلت إلى سن الخامسة والثلاثين فتشعر أن الأمر لا يحتمل أي تأخير وأن محاولاتها السابقة الفاشلة يجب ألا توقفها عن المحاولة مرة أخرى للإنجاب، بل عليها أن تسرِّع من وتيرة المحاولات حتى لو كانت نسب نجاحها أضعف، وحتى لو كان زوجها يشعر باليأس، وحتى لو كانت هذه المشكلة تزيد من توترها الذي تتسم به، وهو ما يؤثر بالسلب على كل من حولها وليس عليها وحدها.

زيزي التي لا تنجب تستطيع أن تتواصل بسهولة مع تيتو، ابنة أخت المحامي الذي يتولى قضية طلاق زيزي من زوجها. فالانسجام الذي يحدث بين زيزي وتيتو هو انسجام بين طفلتين ولكنه يتطور رويدًا رويدًا، خاصة من جانب زيزي التي تتوق إلى الإنجاب لتتحول العلاقة إلى أمومة. وهي نفسها العلاقة التي تحدث بين زوج زيزي وأحد الطلاب في الجامعة، حيث تبدأ بصداقة لتتطور إلى نوع من الأبوة.


من مسلسل خلي بالك من زيزي


البحث عن علاقة الأمومة أو الأبوة هي السمة الرئيسية التي تميِّز المسلسل والشخصيات. ورغم أن كل الشخصيات تعاني التربية القاسية المتسلِّطة إلا أنهم جميعًا يتوقون إلى الإنجاب وربما القيام بنفس الطريقة الخاطئة في التربية التي وقع فيها آباؤهم. حالة من التكرار أو الدوران وكأن التاريخ يعيد نفسه في شكل علاقة الآباء والأبناء، وهي علاقة كانت وما زالت هي التي تبنى عليها الإنسانية. وهو نفسه السبب الذي يجعلها من أهم وأخطر العلاقات.

إجهاض في رحم الأسانسير

في مسلسل بين السما والأرض بطولة هاني سلامة ودرة ونورهان، عن قصة نجيب محفوظ وإخراج محمد العدل، نجد أيضًا مشكلة الحمل والإنجاب مع شخصية سارة التي تحبَس في الأسانسير مع آخرين. سارة المريضة بضعف في القلب تأخر إنجابها طويلًا وحينما عرفت أنها حامل قررت أن تحتفظ بالجنين، حتى لو كان خطرًا على حياتها. ورغم محاولات زوجها لإثنائها عن هذا الحمل فإنها تحتفظ بالجنين وتعاني بسببه.

الحبس في حد ذاته وعدم قدرتهم على الخروج من الأسانسير لتعطله، هو رمز للرحم الذي يحبس فيه الجنين تسعة أشهر حتى يخرج أخيرًا إلى النور. ربما يخرج الجنين للحياة أو تنتهي رحلته سريعًا بالموت داخل الرحم.


من مسلسل بين السما والأرض


سارة تشعر بالإجهاد منذ أول دقيقة يعرف المحبوسون فيها أنهم محبوسين، ولكن هذا لا يمنعها من أن تكون شاهدًا على ما يحدث في الأسانسير من كشف المستور عن فساد جميع من حُبسوا داخل الأسانسير، وعلى رأسهم الشاب سامي الفاسد الذي يتسبب لأبيه في الكثير من المشكلات، لأنه غير مسؤول ويعتمد على والده رغم بلوغه عمرًا يبدأ فيه الشباب الأكثر مسؤولية في الاستقلال بحياتهم، بل وأحيانًا مساعدة آبائهم، لا العكس.

عائلة متسلطة بلا مستقبل

أما في مسلسل موسى بطولة محمد رمضان وسمية الخشاب، وتأليف ناصر عبد الرحمن وإخراج محمد سلامة، فالحمل يعتبر نعمة لا ينالها الأشرار، وخاصة شدَّاد وزوجته صباح، ومسعد المتزوج من شفيقة أخت موسى. شدَّاد الذي يملك كل شيء إلا الابن يتمنى أن ينجب طفلًا من زوجته التي يعشقها، ولا يريد أن يتزوج أخرى لينجب منها، ولكن العجز يصيبه رويدًا رويدًا بينما يموت أخيه الأصغر في يوم عُرسه على يد موسى، انتقامًا منه على كسر ظهر أمه.

هذه الحادثة تجعل عائلة شدَّاد تفقد أي أمل في الوجود في المستقبل. هي عائلة آخر رجالها شدَّاد لا ينجب، وبالتالي لن يحمل أي ولد اسمه أو اسم العائلة. وهذه ربما تكون ضربة أقصى من أي شيء لأن التهديد هنا هو تهديد للوجود ذاته. وهو الأمر نفسه لدي مسعد الذي يعرف أنه كبر في السن وبالتالي لا يصدِّق أن المعجزة حدثت، وأن الأعشاب التي تناولها أتت بثمرتها وأن زوجته حملت منه بولد. في هذه الحالة ورغم وجود الحمل والابن، فإن عدم الثقة في ذاته، قبل زوجته، هو الذي يدفع مسعد إلى التخلي عن الزوجة والابن عبر تطليق الأولى والتبرؤ من الثاني.

جيل جديد معقَّد

تدور عدة مسلسلات أخرى في هذا الموسم الرمضاني عن الأطفال، بل دعونا نقول إن الطريقة الأولية التي يلعب بها السيناريست اليوم لجذب أفراد الأسرة لمشاهدة المسلسلات هي عبر الأطفال إذا كان عبر بطولتهم أو عبر مشكلة تحدث لهم وتهدد وجودهم. وهذا ما يعكس اهتمام المصريين الشديد بالأطفال والذي يصل إلى حالة العبادة والتقديس؛ بداية من التكاليف الكبيرة التي ينفقونها سنويًا على عمليات علاج العقم والتلقيح الصناعي وغيرها، مرورًا بتربية الأطفال ورعايتهم، حيث الإصرار على تعليمهم في أغلى المدارس والخوف المستمر عليهم من أي شيء بداية من الأمراض، مرورًا بالآخر أيًا كان؛ طفلًا أو بالغًا، وحتى الخوف عليهم من أنفسهم.

هذا الخوف نفسه هو المسبِّب الرئيسي للعديد من المشكلات والعقَد النفسية التي ينشأ عليها الأطفال بعد ذلك، فالخوف الزائد الذي نجده في المجتمع من الآباء نحو أبنائهم، تسبَّب في إنجاب جيل جديد يعتمد كليًا على آبائه، بينما هو مصاب بعقد نفسية مختلفة بسبب آبائه أيضًا، وهي نفسها العقد التي تناقشها الكثير من المسلسلات التي تعرَض اليوم.


اقرأ أيضًا: عن معاداة الإنجاب: الأفضل للبشر ألا يولدوا أبدًا


نجد أن جزءًا من الصراع الرئيسي بين عساف وغفران يدور حول الابن بجانب الزوجة، في مسلسل نسل الأغراب بطولة أحمد السقا وأمير كرارة. وأيضًا في حرب أهلية بطولة يسرا، حيث البطلة تصارع الجميع من أجل ابنتها التي أخذوها ولعبوا بأفكارها حتى كرهت أمها. بينما اكتشاف البطل في نجيب زاهي زركش بطولة يحيى الفخراني أن له ابن وهو في هذا السن المتأخر يقلب حياته رأسًا على عقب ويجعله يرى الدنيا بشكل مختلف، بينما علاقة البطل الحرامي في أحسن أب بطولة علي ربيع بالطفل هي العلاقة التي تغير من شخصيته.

وأيضًا المشكلة التي تقع فيها ابنه البطل في ضل راجل بطولة ياسر جلال، هي التي يدور حولها المسلسل كله، وهي الدافع الذي يجعل البطل يريد أن ينتقم لابنته ليستعيد حقها المغتصَب. بينما كلا البطلتين في لحم غزال بطولة غادة عبد الرازق، وكل ما نفترق بطولة ريهام حجاج، تبحثان عن أبنائهم المخطوفين. بينما يدور مسلسل ولاد ناس بطولة صبري فواز ورانيا فريد شوقي حول حادث أتوبيس مدرسة، حيث نرى حياة كل طفل من الأطفال الذين كانوا يستقلون الأتوبيس مع آبائهم، وكيف أن جميع البيوت بلا استثناء فاسدة، حيث تجتمع كل الأعراض والظواهر المَرضية التي يعانيها المجتمع في مسلسل واحد، وبالتأكيد تأثير هذا الفساد الأسري على جيل جديد كامل.

انتشار هذه المسلسلات وتركيزها على الحمل والإنجاب بالإضافة إلى الأطفال، تؤكد أنها مشكلات منتشرة بالفعل في المجتمع المصري ولها تأثير سلبي عليه، وأنها لا تتعلق بطبقة معينة، ولكن تعانيها الطبقات كلها. مشكلات ناجمة في الأساس عن الخوف من المستقبل حيث محاولة تأمينه بأي طريقة؛ عبر الإنجاب وتقديم أفضل تأهيل للأطفال، وحتى عبر الدعم الكامل لهم بعد بلوغهم ثم وصولهم سن الرشد.